بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 525)جامع البيانالطبري٢١/٥٢٥ أن {عسق} آية مستقلة في قراءة الجمهور، وهي تتمة الفاتحة المقطعة لسورة الشورى؛ فجمعت السورة بين حرفين في الآية الأولى وثلاثة أحرف في الآية الثانية، لتكون جملة الحروف خمسة أحرف.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عسق} قال: «هو اسم من أسماء الله تعالى، أو قسم أقسم الله به». وعن مجاهد وقتادة قالا: «هي فواتح يفتتح الله بها القرآن».
وروى ابن جرير وغيره آثاراً رويت في الإشارات التاريخية والحوادث المستقبلية في هذه الحروف، وضعفها أئمة التحقيق (كابن كثير والقرطبي وابن تيمية)؛ مؤكدين أن التعويل الصحيح السلفي هو على إجرائها مجرى نظائرها من الحروف المقطعة الدالة على إعجاز القرآن وعظمة الوحي، دون تكلف ما لم يصح به أثر مرفوع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عسق}: تقرأ بسكون أواخرها مع المد اللازم في العين والسين والقاف: (عَيْنْ سِينْ قَافْ)، والعين يجوز فيها التوسط والطول (أربع أو ست حركات) لوجود حرف اللين، والسين والقاف يلزم فيهما المد الطويل المشبع ست حركات.
إعرابها: كإعراب {حم}؛ حروف هجاء لا محل لها من الإعراب مبنية على السكون، أو اسم للسورة في محل رفع أو نصب أو جر على التوجيهات السابقة، وتفصل بينها وبين {حم} سكتة أو وقف تام لكونهما آيتين معدودتين عند أهل الكوفة ومكة والمدينة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الافتتاح الخماسي {حم * عسق} يناظر افتتاح سورة مريم {كهيعص}؛ فكلاهما افتتح بخمسة أحرف مقطعة، وكلاهما أتبع الحروف بذكر الرحمة والوحي: في مريم: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}، وهنا في الشورى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}.
الامتداد الصوتي بين الحاء والميم (الحاميم) ثم العين والسين والقاف: تدرج صوتي بديع ينتقل من أصوات رقيقة لينة إلى أصوات جهورية وقلقلة (القاف)، ليعكس قوة البيان القرآني وعلو نبرته في مواجهة الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد تأويلات الباطنية والمنجمين في حساب الجمل: حاول بعض أهل الأهواء والباطنية والمنجمين تطويع حروف {عسق} لاستخراج تواريخ انتهاء الدول أو قيام القيامة بحساب الجمل والأعداد، وقد أنكر المحققون من أئمة السنة هذا المسلك أشد الإنكار؛ مبينين أن الغيب محجوب عن العباد بنص السورة نفسها: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ}، وأن إنزال القرآن بالحروف المقطعة إنما كان لبيان إعجاز النظم وتحدي الفصحاء، لا للألغاز العددية والرجم بالغيب.
حكمة تعدد الفواتح: تنوع الفواتح بين حرف واحد (ص، ق، ن)، وحرفين (طه، يس، حم)، وثلاثة (الم، الر، طسم)، وأربعة (المر، المص)، وخمسة (كهيعص، حم عسق): برهان رياضي ولغوي يثبت أن القرآن يتصرف في سائر وجوه التراكيب العربية تصرف القادر العليم الذي لا يعجزه نظم.
الإيقاع الحرفي والموسيقي المنسجم: توالي الصفير في (السين) مع القلقلة في (القاف) والتوسط في (العين) يحدث وقعاً مهيباً في روع السامع يستحضر عظمة المتكلم سبحانه.
الارتباط المباشر بالوحي: لم يأت ذكر هذه الحروف إلا توطئة لبيان صفة الوحي العلي العزيز، مما يقرر في وجدان التالي أن هذه الحروف هي مفاتيح لكتاب الهداية الأكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدرب على حسن التلاوة والتجويد؛ بإتقان المدود وإعطاء كل حرف حقه ومستحقه من الصفات والمخارج عند قراءة الفواتح المقطعة.
ترك التكلف والفضول في التفسير بما لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، والوقوف عند حدود العلم المحكم.
استشعار هيبة القرآن الكريم وعلو شأنه في كل آية وحرف يتلى منه.