بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 623)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٣ أن الله تعالى يمتن على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة النبوة والرسالة؛ فكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك بالطرق السالفة، أوحينا إليك هذا القرآن العظيم الذي سماه {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}؛ لأنه تحيا به القلوب والأرواح من موت الجهل والكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح.
وقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}: بيّن ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 217)مصدر غير محدد٧/٢١٧ أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ما كان يعرف تفاصيل هذا القرآن ولا أحكام الشريعة ومعالم الإيمان التفصيلية من صلاة وصيام وحلال وحرام، وإن كان مجبولاً على مكارم الأخلاق والتوحيد الفطري منزهاً عن عبادة الأوثان، ولكن تفاصيل هذا الدين والوحي إنما جاءت من هبة الله وإنعامه.
وقوله: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}: جعل الله هذا القرآن نوراً وضاءً يبدد ظلمات الضلال ويهدي به من شرح صدره للإسلام، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: تدعو وتبين وترشد الخلق بحجج القرآن إلى طريق الحق القويم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رُوحًا}: الروح: أصل الحياة في البدن، وسمي القرآن روحاً لأن الحياة الحقيقية للقلوب إنما تكون به، وموته بموته.
{نُورًا}: النور: الضياء الكاشف للحقائق المبدد للظلمات، والقرآن نور يضيء دروب الحياة والمعاد.
الإعراب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف حرف جر، {ذَلِكَ}: اسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق؛ أي: وإيحاءً مثل ذلك الإيحاء أوحينا.
{أَوْحَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مَا الْكِتَابُ}: {مَا}: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، {الْكِتَابُ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية سدت مسد مفعولي تدري المعلقة بـ (ما) الاستفهامية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع الإعجازي بين وصفي القرآن: (الروح) و(النور):
الروح: يمنح الحياة والقوة الداخلية والحركة.
النور: يمنح الرؤية والبصيرة والوضوح الخارجي.
فإذا اجتمع للإنسان روح ونور تم له كمال الوجود والسعادة، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}.
المنة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأميته: بيان أن القرآن تنزيل رباني خالص لم يتلقه النبي من بشر ولم يكن يقرأ أو يكتب، وهو دليل قاطع على صدق نبوته وإعجاز كتابه.
واختص سبحانه بهداية التوفيق والقبول: {نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}، ونفاها عن النبي في موضع آخر: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير معنى {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}: قد يرمي المغرضون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان على الشرك قبل البعثة مستدلين بنفي علمه بالإيمان، والرد الصارم من أئمة التحقيق (كالقاضي عياض وابن تيمية وابن كثير): النبي صلى الله عليه وسلم معصوم قبل النبوة من الشرك وعبادة الأوثان ومن كل قبيح بإجماع المحققين، ومعنى نفي درايته بالإيمان هنا: نفي معرفته بشرائع الإيمان وتفاصيله وأحكامه وأركانه الغيبية التي لا تعلم إلا بوحي من الله، فالمنفي هو العلم التفصيلي بالشريعة لا أصل التوحيد والفطرة النقية.
بطلان دعوى اقتباس القرآن: أمية النبي صلى الله عليه وسلم وعدم درايته بالكتب السابقة برهان عقلي قاطع على أن هذا القرآن وحي سماوي معجز وليس من تأليفه ولا مستقى من كتب أهل الكتاب.
الاستعارة التصريحية الأصلية في {رُوحًا}: شبه القرآن بالروح لعظيم أثره في إحياء القلوب من موت الجهل، واستعار لفظ الروح للقرآن.
الاستعارة في {نُورًا}: شبه الوحي بالنور لكشفه الشبهات وإضاءته طريق الهداية.
الإشارة التدبرية: من أراد حياة لقلبه فليطلبها في القرآن، ومن أراد نوراً لبصيرته فليستضيء بآياته؛ فالمحروم من القرآن ميت وإن تحرك بين الأحياء، أعمى وإن فتح عينيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتصام بالقرآن الكريم وتلاوته وتدبره وتحكيمه في سائر شؤون الحياة.
التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في وظيفته العظمى: هداية الخلق ودلالتهم على صراط الله المستقيم بالرفق والحكمة.
استشعار عظمة فضل الله علينا بأن جعلنا من أمة هذا القرآن، والحرص على إحياء الأرواح بنوره في زمن الغفلة والفتن.