بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 555)جامع البيانالطبري٢١/٥٥٥ أن الله تعالى يذكر نعمه الكبرى على عباده ودلائل ربوبيته؛ فهو سبحانه {الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ}: وهو القرآن وسائر الكتب السماوية متلبساً بالحق والصدق والعدل في أخباره وأحكامه، {وَالْمِيزَانَ}: وهو العدل والإنصاف بين الناس في معاملاتهم وشرائعهم، وقيل: هو الميزان الحسي الذي توزن به الأشياء لحفظ حقوق الناس ومنع البخس، والصحيح أنه يعم العدل المعنوي والميزان الحسي.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ومجاهد قالوا في {الْمِيزَانَ}: «هو العدل الذي أمر الله به أن يقام بين خلقه».
وقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 194)مصدر غير محدد٧/١٩٤ بالترغيب والترهيب؛ أي وما يعلمك يا محمد لعل قيام الساعة ومجيء وقت الحساب قريب الوقوع يباغت الناس بغتة؛ فكل ما هو آت قريب، والموت يدني كل بعيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة للتعظيم.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
{أَنْزَلَ الْكِتَابَ}: فعل ماض والفاعل مستتر، والكتاب مفعول به منصوب، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة؛ أي أنزله متلبساً بالحق لا بالباطل، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الكتاب.
{وَالْمِيزَانَ}: الواو عاطفة، والميزان اسم معطوف على الكتاب منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَمَا}: الواو استئنافية، و(ما) اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُدْرِيكَ}: يدري فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول، والجملة خبر المبتدأ ما.
{لَعَلَّ}: حرف ترج ونصب مشبه بالفعل.
{السَّاعَةَ}: اسم لعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
{قَرِيبٌ}: خبر لعل مرفوع بالضمة الظاهرة، ولم يؤنث (قريبة) لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، أو لأن المراد الزمان أو الأجل أو البعث، أو لأن فعيلاً بمعنى فاعل ومفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا لم يذكر الموصوف أو للنسبة. والجملة سدت مسد المفعول الثاني ليدري.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الجمع المعجز بين (الكتاب) و(الميزان) يمثل ركني الحياة الإنسانية الراشدة: الكتاب لهداية الأرواح والعقول وتبيان العقائد والعبادات، والميزان لإقامة العدل والإنصاف في المعاملات وصيانة الحقوق الدنيوية، وبهما معاً يستقيم أمر الدين والدنيا.
التذييل بذكر قرب الساعة {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}: لقطع التسويف والأماني؛ فالذي أنزل الكتاب والميزان سيقيم ميزان الحساب الأكبر في يوم القيامة القريب، فليستعد كل إنسان قبل المباغتة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تلازم الشرع والعدل وبطلان الفصل بينهما: تقرر الآية برهاناً تشريعياً حاسماً؛ فالكتاب هو مصدر الميزان والعدل، ولا عدل حقيقياً يضمن كرامة الإنسان وحقوقه إلا ما انبثق من كتاب الله المنزه عن الهوى والجور؛ فالذين يزعمون العدل بعيداً عن شرع الله إنما يتبعون موازين ناقصة تزن بالهوى والمصالح الفئوية، والميزان الحق هو ما أنزله الله مع كتابه.
الحكمة من إبهام وقت الساعة: إبهام موعد الساعة وإعلان قربها الدائم هو الحافز النفسي الأعظم ليظل المكلف في يقظة مستمرة وتوبة دائمة؛ إذ لو علم وقتها لتكاسل وسوّف التوبة إلى قبيل موعدها، فجعلها الله غيباً قريباً متوقعاً في كل لحظة.