بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 597)جامع البيانالطبري٢١/٥٩٧ أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ}: أي أطاعوا أمر ربهم وأجابوا دعوته إلى التوحيد والعمل بشرعه ورسوله، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}: أدوا الصلوات المفروضة بحدودها وركوعها وسجودها وأوقاتها، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}: لا يستبدون برأي، ولا يمضون أمراً من أمور الأمة العامة والخاصة من حرب وتدبير إلا بعد التشاور والتناصح واستخراج الرأي السديد من أهل الخبرة والإيمان، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: يؤدون الزكاة المفروضة والنفقات المندوبة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 207)مصدر غير محدد٧/٢٠٧ عن الحسن البصري رحمه الله قال: "ما تشاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمرهم"، ثم تلا هذه الآية: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.
وذكر القرطبي في (تفسيره، ج 16، ص 36)مصدر غير محدد١٦/٣٦ أن هذه الآية نزلت في الأنصار قبل الهجرة؛ حيث كانوا يجتمعون في دار الندوة أو يتشاورون في بيعة العقبة ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى الله عليهم بهذه الخصلة الشريفة، ثم جعلها الله أصلاً عاماً للأمة كلها في إدارة شؤونها؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي يشاور أصحابه في الحرب والسلم امتثالاً لأمر الله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اسْتَجَابُوا}: الاستجابة: الانقياد والإجابة برغبة وإقبال، والسين والتاء للتوكيد والمبالغة في الإذعان لأمر الله.
{شُورَى}: الشورى: اسم مصدر من التشاور أو المشاورة، وأصلها من (شُرْتُ العسل) إذا اجتنيته واستخرجته من خلاياه الصافية؛ فالمشاورة هي استخراج الآراء الصائبة من عقول الرجال كاستخراج العسل المصفى.
الإعراب:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، اسم موصول مبني في محل رفع معطوف.
{اسْتَجَابُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
{شُورَى}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لشورى أو بمحذوف الخبر، والهاء مضاف إليه، والجملة معطوفة على ما قبلها.
{وَمِمَّا}: الواو عاطفة، {مِنْ}: حرف جر، {مَا}: اسم موصول في محل جر متعلقان بينفقون.
{رَزَقْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به، وجملة الصلة لا محل لها.
{يُنْفِقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسمية السورة وتتويج مقاصدها: هذه الآية هي الدرة والواسطة في عقد السورة وبها سميت السورة الكريمة (سورة الشورى)؛ لإبراز أن مبدأ الشورى من أركان الاجتماع الإسلامي كالصلوات والإنفاق.
توسط الشورى بين الصلاة والإنفاق: نظم إعجازي مذهل؛ حيث توسطت صفة (الشورى) بين أعظم ركنين عمليين: (إقامة الصلاة) التي هي حق الله المحض، و(الإنفاق) الذي هو حق العباد المالي؛ ليدل على أن الشورى فريضة دينية وسياسية ومجتمعية لا تقل شأناً عن أركان الإسلام العملية.
التعبير بالمصدر {شُورَى}: جعل أمرهم عين الشورى مبالغة في الملازمة والتحقق، فلم يقل (يتشاورون) بل {أَمْرُهُمْ شُورَى}؛ أي كأن الشورى هي قوام أمرهم كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأصيل الشورى وحرمة الاستبداد السياسي: تقرر الآية أن إدارة شؤون الأمة مبنية على التشارك والتشاور وتداول الرأي، والرد الحاسم على دعاوى الاستبداد والقرارات الفردية التي تجر الأمة إلى الهلاك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه في بدر وأحد والخندق والحديبية، والخلفاء الراشدون أسسوا مجلس الشورى لكبار الصحابة.
التمييز بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية: الشورى الإسلامية تنطلق من الثوابت والوحي، وتتحرك في دائرة المتغيرات والمصالح المرسلة والاجتهاد فيما لا نص فيه، ويقودها أهل الحل والعقد والخبرة والأمانة؛ بخلاف الديمقراطية الوضعية التي قد تشرع ما يخالف أمر الله بالأغلبية المطلقة.
الاشتقاق الجميل في لفظ {شُورَى}: كما أسلفنا، تشبيه استخراج الآراء من الصدور باستخراج العسل المصفى من خلاياه؛ ففي التشاور صفاء وتلاقح للأفكار يمنع الفساد.
التقديم في {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: للدلالة على أن المنفق منه هو بعض الرزق رحمة بهم، وللتذكير بأن المال مال الله ونحن مستخلفون فيه.
الإشارة التدبرية: المجتمع المسلم مجتمع متكامل متراحم؛ محرابه موصول ببرلمانه، صلاته تصنع فيه التقوى، وشوراه تصنع فيه الرشاد، وإنفاقه يصنع فيه التكافل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفعيل مبدأ الشورى في نطاق الأسرة والمؤسسة والدولة؛ فلا ينفرد الوالد برأي دون تشاور رحيم، ولا يستبد مدير بقرار دون مراجعة أهل الاختصاص.
المحافظة على إقامة الصلاة في أوقاتها جماعة؛ فهي عماد الدين ومصدر السكينة.
الجود والبذل في وجوه البر والخير والإنفاق على المحتاجين ونصرة قضايا الأمة الإسلامية.