بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 575)جامع البيانالطبري٢١/٥٧٥ أن الله تعالى يفتح باب الرجاء والمغفرة والتوبة لكل من تاب وأناب من الكفار والمشركين والعصاة؛ فالمعنى: وهو سبحانه المتفرد بقبول توبة التائبين من عباده، المتجاوز عن خطاياهم وآثامهم بالعفو والصفح وستر العيوب ومحو السيئات، وهو المحيط بكل ما تفعلونه من خير وشر؛ يعلم سركم وعلانيتكم فيجازيكم على أعمالكم.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 196)مصدر غير محدد٧/١٩٦ الآية بالحث على التوبة والإنابة، مستشهداً بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ...» (صحيح البخاري، رقم 6309، وصحيح مسلم، رقم 2747).
ونقل القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ما في القرآن آية أرجى ولا أوسع رحمة للتائبين من هذه الآية؛ فإن الله علق فيها قبول التوبة بمحض فضله وإحسانه».
وقرأ الجمهور {تَفْعَلُونَ} بتاء الخطاب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص في رواية بياء الغيبة {يَفْعَلُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، وهو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
{يَقْبَلُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هو، والتوبة مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{عَنْ عِبَادِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيقبل، وتعدية القبول بـ (عَنْ) لتضمين الفعل معنى التجاوز والصفح والمسامحة؛ كأنه قيل: يقبل التوبة متجاوزاً عن عباده.
{وَيَعْفُو}: الواو عاطفة، ويعفو فعل مضارع معطوف مرفوع بضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر، والعفو هو المحو والإزالة.
{عَنِ السَّيِّئَاتِ}: متعلق بيعفو.
{وَيَعْلَمُ}: الواو عاطفة، ويعلم فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر.
{مَا}: اسم موصول (أو مصدرية) في محل نصب مفعول به ليعلم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي هذا النص القرآني المفعم بالرحمة والرجاء بعد آيات الوعيد الصارم على الشرك والافتراء وتكذيب الساعة؛ ليدل على كمال رحمة الله بخلقه؛ فهو سبحانه لا يقنط أحداً من رحمته، بل ينادي حتى أولئك الذين افتروا الكذب وكذبوا بالساعة: أن توبوا وأنيبوا فإن باب التوبة مفتوح لا يغلق دون تائب.
الجمع بين قبول التوبة والعفو عن السيئات: ترقٍ في الإنعام؛ فقبول التوبة يقتضي تصحيح الموقف ومحو العقاب، والعفو عن السيئات يزيل آثار الذنب من الصحائف ويستر العبد في الدارين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوبة تمحو ما قبلها مهما عظم الذنب: تدحض الآية يأس القانطين وشبهات الخوارج الذين يضيقون رحمة الله؛ فالنص عام في كل سيئة حتى الشرك والكفر والقتل والزنا؛ فكل ذنب تاب منه العبد توبة نصوحاً قبل خروج الروح أو طلوع الشمس من مغربها قبله الله ومحاه بكرمه وعفوه وفضله، كما قال تعالى في الفرقان: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.
التذييل بالعلم {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}: توازن عقدي وتربوي فريد؛ فمع فتح باب الرجاء التام حذر من التوبة الكاذبة أو الخداع؛ فالله يعلم الصادق في توبته من المتردد المستهزئ الذي يتوب بلسانه وقلبه مصر على المعصية؛ فالتوبة لا تقبل إلا بصدق العزم والندم والإقلاع ورد المظالم.
التعبير بـ {عَنْ عِبَادِهِ}: إشعار بالقرب والشفقة والرحمة بإضافة العباد إليه.
التضمين البلاغي في تعدية (يَقْبَلُ) بـ (عَنْ): إيجاز يجمع بين معنى أخذ التوبة والرضا بها، وبين التجاوز والصفح عن المؤاخذة.
التعبير بالمضارع في الأفعال الثلاثة {يَقْبَلُ} {وَيَعْفُو} {وَيَعْلَمُ}: يفيد التجدد والاستمرار في كل زمان ومكان، فلطف الله وعفوه مستمران لا ينقطعان عن خلقه في ليل ولا نهار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسارعة إلى التوبة الصادقة وتجديد الاستغفار في كل آن وحين؛ فالرب الغفور يفرح بتوبة عبده ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
فتح باب الأمل والرجاء للمذنبين والعصاة وترغيبهم في الإنابة، والحذر من تنفير الناس أو تأييسهم من رحمة الله.
استحضار علم الله المحيط التام بالأعمال؛ مما يورث التوبة النصوح الخالصة لوجه الله تعالى دون رياء.