بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 568)جامع البيانالطبري٢١/٥٦٨ أن قوله تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إشارة إلى ذلك الفضل الكبير والنعيم المقيم في روضات الجنات، يبشر به الله أولياءه ليثبتوا ويفرحوا بفضل ربهم.
الصحيح المعتمد في أصح كتب السنة وهو ما رواه الإمام البخاري في (صحيحه، كتاب التفسير، رقم 4818)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨١٨ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، فقال سعيد بن جبير: قُربى آل محمد، فقال ابن عباس: «عَجِلْتَ! إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ». فالمعنى على هذا القول الأصح عند جماهير السلف وأهل السنة: قل يا محمد لكفار قريش: لا أطلب منكم أموالاً ولا أجراً على إبلاغ الرسالة، ولكن أطلب منكم أن تودوني لرحمي وقرابتي منكم وتكفوا عني أذاكم وتصلوا رحمي.
وقال بعض المفسرين (كالحسن وقتادة): إلا أن تتقربوا إلى الله بالطاعة والمودة في طاعته والعمل بما يقربكم إليه.
وقال قوم: المودة لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار، ومحبتهم وموالاتهم وحفظ حقهم وصية نبوية شريفة كما في حديث مسلم: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (صحيح مسلم، رقم 2408)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٤٠٨، ولكن سبب النزول وسياق الخطاب المكي لقريش يرجح قول ابن عباس في البخاري بأن الخطاب لكفار مكة بمراعاة حق الرحم والقرابة.
وقوله: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}: أي من يكتسب طاعة وعملاً صالحاً يوفقه الله لمزيد من الخير، ويضاعف له الأجر والثواب، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}: يغفر الذنوب والزلات، ويشكر القليل من العمل فيثيب عليه الجزيل من النعيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حُسْنًا}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي نضاعف ثوابها وبركتها.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}: إنّ واسمها وخبران لها مرفوعان بالضمة، وهما صيغتا مبالغة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعقب تصوير نعيم الجنة في الآية السابقة؛ ليؤكد أن هذا الفضل هو أعظم بشارة إلهية يزفها الرب الرحيم لعباده المؤمنين فيثبتهم على البلاء.
اقتران التبشير بالدعوة المجردة من الأجر الدنيوي: لبيان كمال نزاهة النبي صلى الله عليه وسلم وإخلاصه المطلق؛ فهو لا يطلب لنفسه مالاً ولا جاهاً، بل يدعوهم لنجاتهم ولا يطلب منهم إلا كف الأذى وحفظ الرحم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير معنى {الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ودحض استدلالات الغلاة: حاول بعض أهل البدع جعل هذه الآية مستنداً لعقائد الغلو في آل البيت، وقد رد أئمة التحقيق (كابن كثير والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية) ذلك بوجوه علمية قطعية:
أن السورة مكية بنزولها وإجماع المحققين، وفي مكة لم يكن علي بن أبي طالب متزوجاً بفاطمة رضي الله عنهما، ولم يكن الحسن والحسين قد وُلدا أصلاً، فكيف تفسر الآية بحصرها فيهم؟!
أن الآية عديت بـ (في) {فِي الْقُرْبَى} ولم تعد باللام (لقرباي)؛ والفرق اللغوي بينهما جلي؛ فالمعنى: المودة بسبب القرابة والرحم التي بيني وبينكم يا قريش، كما قرره حبر الأمة عبد الله بن عباس في صحيح البخاري.
ومع هذا التحقيق التاريخي واللغوي، فإن أهل السنة والجماعة يوجبون محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الأطهار وموالاتهم وحفظ وصية رسول الله فيهم عملاً بالأحاديث الصحيحة الثابتة، لا تحريفاً لنصوص القرآن عن سياقها.
إثبات عدالة الجزاء ومضاعفة الحسنة: الاقتراف يستعمل غالباً في السيئات (اقتراف الإثم)، لكنه استعمل هنا في الحسنة {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} للإشعار بأن كسب الطاعات يحتاج إلى مجاهدة واكتساب كالمكاسب النفيسة، وأن الله يضاعف الحسنة بالحسنى.
الإشارة بـ {ذَلِكَ}: لتفخيم شأن البشارة وعظمة الموعود به في روضات الجنات.
الاستثناء في {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}: استثناء منقطع مفرغ يفيد الاستعطاف البليغ؛ كأنه يقول: لا أريد منكم جزاءً ولا مالاً، ولكن راعوا أواصر الدم والرحم التي بيننا فكفوا أذاكم عني ودعوني أبلغ رسالة ربي.
التذييل بالاسمين الجليلين {غَفُورٌ شَكُورٌ}: مناسبة بديعة؛ فالغفور يستر الزلل والتقصير في العمل، والشكور يثيب على العمل القليل بالنعيم الجزيل الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد النية في الدعوة إلى الله والترفع التام عن الطمع في أموال الناس أو مناصبهم؛ فكلما كان الداعية أزهد في أيدي الناس كان أوقع لكلماته في القلوب.
صلة الأرحام ورعاية حقوق القرابة؛ فإن صلة الرحم من آكد شعائر الإسلام التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم.
محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم والتبرؤ من مسالك النواصب والغلاة جميعاً.
الاستكثار من الحسنات والأعمال الصالحة ورجاء مضاعفة الشكور سبحانه لها.