بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 614)جامع البيانالطبري٢١/٦١٤ أن الله تعالى يسلي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويثبت فؤاده؛ فإن أعرض هؤلاء المشركون عن دعوتك واستجابتك لربك، فما أرسلناك عليهم رقيباً تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، وليس عليك إلا أن تبلغهم رسالة ربك بلاغاً مبيناً، وحسابهم على الله.
ثم بين طبيعة النفس الإنسانية المجردة عن نور الإيمان: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} من صحة في البدن وسعة في الرزق وخصب وولد فرح بها فرح بطر وأشر، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} من مرض أو فقر أو جدب بسبب ذنوبهم وتفريطهم، قنط وجحد النعم ونسي سالف الإحسان وكان كفوراً جحوداً.
وذكر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 213)مصدر غير محدد٧/٢١٣ أن هذا التوصيف الإلهي يكشف طبيعة الكافر والجاهل: يبطره الرخاء ويقنطه البلاء، بخلاف المؤمن الصالح الذي يكون في السراء شكوراً وفي الضراء صبوراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَذَقْنَا}: الإذاقة: في الأصل ملامسة اللسان للطعام، واستعملت مجازاً في إصابة اليسير من النعمة أو البلاء للتنبيه على أن ما يلقاه الإنسان في الدنيا قليل عابر.
{كَفُورٌ}: صيغة مبالغة من الكفر؛ أي شديد الجحود لنعم الله، كثير التناسي لآلائه السالفة.
الإعراب:
{فَإِنْ}: الفاء استئنافية، {إِنْ}: حرف شرط جازم.
{أَعْرَضُوا}: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
{فَمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {مَا}: نافية.
{أَرْسَلْنَاكَ}: فعل ماض وفاعله ومفعوله.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بحفيظاً.
{حَفِيظًا}: حال منصوبة بالفتحة من الكاف، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى ما.
{عَلَيْكَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{الْبَلَاغُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة مستأنفة مؤكدة لما قبلها.
{وَإِنَّا}: الواو عاطفة، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{إِذَا}: ظرف متضمن معنى الشرط.
{أَذَقْنَا}: فعل ماض وفاعله، والجملة مضاف إليها.
{الْإِنْسَانَ}: مفعول به أول منصوب.
{مِنَّا}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من رحمة.
{رَحْمَةً}: مفعول به ثانٍ منصوب.
{فَرِحَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر، والجملة جواب إذا لا محل لها، وجملة الشرط والجواب خبر إنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية الداعية وتحديد مهمته: بعد الأمر بالاستجابة والتحذير من اليوم الحق، بيّن للرسول صلى الله عليه وسلم أن مهمته محددة في البلاغ المبين، لئلا يذهب نفسه عليهم حسرات إذا تولوا وأعرضوا.
الالتفات والتنويع في الضمائر: قال: {أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ} بالإفراد، ثم قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ} بصيغة الجمع للدلالة على أن هذا الطبع يعم جنس الإنسان غير المهتدي، ثم عاد إلى الإفراد: {فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} لتقرير الحكم الكلي.
استخدام صيغة {أَذَقْنَا}: للتنبيه على ضآلة متاع الدنيا وسرعة زواله، ومع ذلك فإن العبد الجاهل يبطره هذا اليسير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير حرية الإرادة ومسؤولية البلاغ: الآية تؤصل أصلاً دعوياً كبيراً: الدعوة بالبيان والحكمة، وليست بالإكراه أو الجبر؛ فالنبي ليس بمسيطر ولا حفيظ على ضمائرهم، وإنما هو منذر ومبلغ؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
تشريح التقلب النفسي لغير المؤمنين: الإنسان بعيداً عن هدي الوحي يعيش في اضطراب نفسي دائم: يطغى بالنعمة، وينهار ويجحد عند المحنة؛ مما يبرهن عقلياً على حاجة البشرية الماسة للوحي لضبط توازنها النفسي والأخلاقي.