بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 534)جامع البيانالطبري٢١/٥٣٤ أن المعنى: ومثل ذلك الإيحاء الذي بيناه وأخبرنا به عن الرسل، أوحينا إليك يا محمد قرآناً عربياً فصيحاً بلسان قومك ليفهموه ويتدبروه، {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}: وأم القرى هي مكة المكرمة شرفها الله سميت بذلك لأنها أصل القرى وأشرفها وأقدمها وموضع البيت الحرام، ومن حولها سائر بلاد العرب والعجم ومشارق الأرض ومغاربها.
وقوله: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ}: وهو يوم القيامة حين يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد للحساب والجزاء، لا شك في وقوعه، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}: انقسام الخلائق في ذلك اليوم الحاسم إلى حزبين لا ثالث لهما: أهل الإيمان والتقوى في جنات النعيم، وأهل الكفر والعناد في نار السعير.
وروى الطبري وابن أبي حاتم والإمام أحمد والترمذي في سننه (رقم 3184)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٨٤ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟» فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، ثم قال للذي في شماله: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فقال الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ»، ثم قال بيده فنبذهما ثم قال: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكَذَلِكَ}: الواو عاطفة، والكاف حرف تشبيه وجر، وذلك اسم إشارة متعلق بمحذوف مفعول مطلق لأوحينا؛ أي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء العظيم أوحينا.
{أَوْحَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و(نا) فاعل.
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بأوحينا.
{قُرْآنًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{عَرَبِيًّا}: نعت لقرآناً منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِتُنْذِرَ}: اللام لام التعليل، وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{أُمَّ الْقُرَى}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة، والقُرى مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر، وحذف المفعول الثاني لتنذر وهو العذاب لدلالة السياق عليه، أو ضمن تنذر معنى تخوّف.
{وَمَنْ حَوْلَهَا}: الواو عاطفة، ومن اسم موصول معطوف على أم القرى، وحولها ظرف مكان متعلق بالصلة المحذوفة.
{وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ}: معطوف على لتنذر الأولى، ويوم مفعول به ثان لتنذر، أو ظرف منصوب، والجمع مضاف إليه.
{لَا رَيْبَ فِيهِ}: لا نافية للجنس، وريب اسمها مبني على الفتح، وفيه جار ومجرور خبر لا، والجملة اعتراضية مؤكدة لا محل لها.
{وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}: معطوفة عليها بإعرابها ونظمها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يحدد غاية الوحي وجغرافيته ومآله الأبدي؛ فبين اللسان (عربياً)، ونقطة الانطلاق الدعوية الأولى (أم القرى)، والامتداد العالمي (ومن حولها)، والغاية الكبرى وهي الإنذار بيوم الجمع والمصيرين المتقابلين (الجنة أو السعير).
الربط بين إنذار أم القرى وإنذار يوم الجمع: للجمع بين الإنذار المكاني الدنيوي الحاضر، والإنذار الزماني الأخروي الأبدي الحاسم؛ ليدرك المخاطبون أن مصيرهم معلق بهذا الإنذار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عالمية الرسالة المحمدية وبدء الدعوة بمكة: قد يثير بعض الطاعنين شبهة: هل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب ومكة لقوله: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}؟ والجواب القاطع من وجوه:
أن لفظ {وَمَنْ حَوْلَهَا} يعم الأرض كلها بالتدريج؛ فمكة هي مركز اليابسة ووسط الأرض كما أثبتت الدراسات الجغرافية، فكل أهل الأرض هم ممن حولها.
أن القرآن صرح في آيات محكمة قطعية بعموم رسالته لجميع الثقلين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}. فالبدء بأم القرى هو قاعدة الانطلاق الطبيعية لأي دعوة، ثم يمتد النور للعالمين.
حتمية الانقسام الثنائي يوم القيامة: العقل يدرك أن المصير النهائي للوجود الإنساني لا بد أن ينتهي إلى مآل عادل؛ فلا يستوي البر والفاجر، والمحسن والمسيء؛ فكان انقسام الناس إلى فريقين (فريق في الجنة وفريق في السعير) هو عين العدل والحكمة الإلهية التي لا ريب فيها.
تسمية مكة بـ {أُمَّ الْقُرَى}: استعارة تشريفية عظيمة؛ فالأم أصل الولد ومفزعه، ومكة أصل القرى وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم ومنبع النور الإلهي إلى العالم.
تسمية القيامة بـ {يَوْمَ الْجَمْعِ}: إيجاز بليغ يستحضر مشهد جمع الأولين والآخرين والأرواح والأجساد والخصوم والأعمال في صعيد واحد للحساب.
التقسيم البديع في {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}: إيجاز حاسم يقطع التردد؛ فليس في الآخرة منزلة وسطى بين النعيم والجحيم، بل هو الخلود الأبدي إما في رضوان الله وإما في ناره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد الجاد ليوم الجمع والعمل الصالح الذي يرجى به اللحاق بفريق الجنة والنجاة من فريق السعير.
البداية بالأقربين في الدعوة؛ اقتداء بالسنة الإلهية في إنذار أم القرى ومن حولها، فالداعية يبدأ ببيته وأهله وقريته ثم يتسع في بلاغه.
اليقين المطلق باليوم الآخر؛ فإن تكرار {لَا رَيْبَ فِيهِ} يغرس في نفس المسلم يقيناً حياً يحرك الجوارح للتقوى والاستقامة.