بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 618)جامع البيانالطبري٢١/٦١٨ أن معنى {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا}: أي يجمعهم لهم ويقرن بينهم؛ فيولد للرجل الواحد ذكور وإناث معاً؛ يقرن هذا بهذا، يقال في كلام العرب: زوجت بين هذين؛ أي جمعت بينهما وقرنتهما، {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا}: أي يجعله يابساً عاقراً لا يولد له ولد أصلاً؛ لا ذكر ولا أنثى.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 215)مصدر غير محدد٧/٢١٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن التزويج هنا هو الجمع بين الصنفين والخلط بينهما، والعقيم هو الذي لا يقبل الإنجاب.
وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}: عليم بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام الأربعة وما يصلح لكل عبد، قدير على خلق ما يشاء من غير توقف على الأسباب الطبيعية المألوفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُزَوِّجُهُمْ}: التزويج في اللغة: الجمع بين الشيئين والقران بينهما، ومنه الزوجان، وليس المراد به هنا عقد النكاح بل الجمع بين البنين والبنات للوالد الواحد.
{عَقِيمًا}: العقيم: الذي لا يولد له، والمرأة العقيمة التي لا تلد لمانع خلقي أو يبس في الرحم، وأصله من العقم وهو القطع واليبس.
الإعراب:
{أَوْ}: حرف عطف يفيد التقسيم والترديد.
{يُزَوِّجُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع.
{ذُكْرَانًا}: حال منصوبة بالفتحة (أو مفعول ثانٍ على تضمين يزوجهم معنى يجعلهم).
{وَإِنَاثًا}: معطوف منصوب بالفتحة.
{وَيَجْعَلُ}: الواو عاطفة، فعل مضارع معطوف مرفوع.
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول ليجعل.
{يَشَاءُ}: صلة الموصول.
{عَقِيمًا}: مفعول به ثانٍ ليجعل منصوب بالفتحة.
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{عَلِيمٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
{قَدِيرٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين الجنسين {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا}.
المنع التام والعقم {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا}.
وهذا التقسيم يستوعب الواقع البشري بكامله استيعاباً عقلياً ومشاهداً، لا يخرج عنه أحد من الخلق.
التذييل بالصفتين {عَلِيمٌ قَدِيرٌ}: مناسبة غاية في الإحكام؛ لأن توزيع الذرية ومنعها يحتاج إلى كمال العلم بما تقتضيه الحكمة في كل شخص، وكمال القدرة على التخليق والإعقام برغم وجود الأسباب المادية أو انعدامها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علاج إشكال العقم والابتلاء به: العقم ليس علامة سخط ولا نقصاً في الدين؛ فقد جعل الله خيرة رسله وأحبابه عقماء (كيحيى وعيسى عليهما السلام)، وابتلى به خليل الرحمن إبراهيم وزكريا عليهما السلام في أول أمرهما، وإنما هو توزيع حكيم من رب عليم قدير؛ فالمؤمن العقيم يرضى بقضاء الله، ويبذل الأسباب الطبية المباحة متوكلاً على الوهاب.
الرد على المادية البيولوجية: الطب الحديث مع تقدمه الهائل في التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب يقف عاجزاً في كثير من الحالات أمام مسألة العقم غير المفسر؛ مما يثبت تجريبياً أن التدخلات الطبية أسباب مرهونة بإرادة العليم القدير؛ فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
المشاكلة والبلاغة في استعمال لفظ {يَجْعَلُ}: في موضع العقم استعمل (يجعل) ولم يستعمل (يهب)؛ لأن العقم سلب ومنع، ومع ذلك فالمنع من الله عين الحكمة والعطاء للمؤمن إذا حفظ دينه.
التوازن التركيبي في الآيتين (49 و50): تقابل بديع بين السعة والعطاء وبين الضيق والمنع، لبيان عموم الربوبية وكمال الإحاطة.
الإشارة التدبرية: تمام السعادة ليس في كثرة البنين والبنات، بل في بركة ما قسم الله؛ فكم من ابن كان وبالاً وهلاكاً لأبويه كما في قصة الغلام في سورة الكهف، وكم من عقيم تفرغ لطاعة الله وخدمة العلم ونفع الأمة فكان نفعه أعظم من آلاف الأبناء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الرضا التام والسكينة في قلوب المحرومين من الإنجاب، وعدم الشعور بالنقص أو الإحباط.