بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 596)جامع البيانالطبري٢١/٥٩٦ أن هؤلاء المؤمنين الموعودين بالخير الأبقى يتصفون بصفات التزكية العليا: يجتنبون كبائر الإثم؛ وهي الذنوب العظام التي توجب الحد أو ورد فيها وعيد شديد كالشرك والقتل والسرقة، والفواحش: كل ذنب عظم قبحه واشتد كنزو كالزنا واللواط، وإذا أصابهم الغضب بمكروه أو اعتداء كظموا غيظهم وحلموا وصفحوا وغفروا لمن أساء إليهم طلباً لثواب الله.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 206)مصدر غير محدد٧/٢٠٦ أن قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} يبين سجيتهم العالية؛ فليس الحلم عندهم عجزاً، بل هو ملكة راسخة تمنعهم من الانتقام لأنفسهم إذا ثارت بواعث الغضب البشري؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي "ما ضرب بيده شيئاً قط، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل" (أخرجه مسلم، رقم 2328)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٢٨.
واستشهد القرطبي بالحديث المتفق عليه: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (صحيح البخاري، رقم 6114)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٦١١٤.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَجْتَنِبُونَ}: الاجتناب: أبلغ من مجرد الترك؛ فهو جعل الشيء في جانب وأنت في جانب آخر؛ مباعدة تامة وسداً لذرائعه.
{كَبَائِرَ}: جمع كبيرة، وهي الذنب العظيم، وقرئت في السبعة (كبيرَ الإثم) بالإفراد والمراد به الجنس أو أعظم الكبائر وهو الشرك.
{الْفَوَاحِشَ}: جمع فاحشة، وهي ما تزايد قبحه من الأقوال والأفعال، وغلب استعمالها في المعاصي المتعلقة بالعرض والشهوة.
{يَغْفِرُونَ}: الغفر: الستر والتغطية والتجاوز عن الإساءة.
الإعراب:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على {لِلَّذِينَ آمَنُوا} أو في محل رفع مبتدأ خبره سيأتي أو معطوف.
{يَجْتَنِبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
{كَبَائِرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف، {الْإِثْمِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَالْفَوَاحِشَ}: معطوف منصوب بالفتحة (عطف الخاص على العام لبيان شناعته).
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{مَا}: صلة وتوكيد (زائدة إعراباً للتأكيد).
{غَضِبُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة.
{هُمْ}: ضمير فصل أو مبتدأ (للتقوية والحصر).
{يَغْفِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، والجملة خبر هم، وجملة (هم يغفرون) جواب إذا لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من التخلية إلى التحلية: بدأ بتخلية النفس من دنس الكبائر والموبقات وقبائح الفواحش، ثم ثنى بتحليتها بالحلم وكظم الغيظ والمغفرة.
عطف الفواحش على كبائر الإثم: عطف خاص على عام للاهتمام؛ لأن الفواحش من أشد الكبائر فتنة وأسرعها إفساداً للمجتمعات والأنساب.
إدخال {مَا} الزائدة وتكرار الضمير {هُمْ}: في قوله {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} لتوكيد ثبوت خصلة المغفرة عندهم واستمرارها؛ فالغضب طبع بشري لا ينفك عنه إنسان، لكن المؤمنين الكمل لا يقودهم غضبهم إلى الطيش والظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة الفرق بين الصغائر والكبائر: تقرر الآية وجود كبائر وصغائر، وتكفير الصغائر باجتناب الكبائر كما قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}، والرد على الخوارج والمعتزلة الذين كفّروا بالصغائر وسوّوا بين الذنوب.
دفع توهم أن الغفران ذل وضعف: قد يظن الجاهليون أن العفو والغفران عند الغضب خور وضعف في الشخصية، والرد النبوي والعقلي: أن قهر النفس الأمارة بالسوء وضبط الانفعال عند ثورة الغضب هو منتهى القوة والشجاعة العقلية، بخلاف الاستسلام للغضب فإنه ضعف وانقياد للنزغات الشيطانية.
المجاز في {يَجْتَنِبُونَ}: تصوير المعصية كأنها هوة أو وحل يبتعد الإنسان عنها ويتحاشى الاقتراب من حافتها.
الحصر والتوكيد بالضمير المنفصل: {هُمْ يَغْفِرُونَ} دلالة على الاختصاص والرسوخ؛ أي أن الغفران سجيتهم الراسخة وديدنهم الذي يعرفون به.
الإشارة التدبرية: الحلم في موطن الغضب من أعظم امتحانات الإخلاص؛ لأن الغاضب تحركه حمية الذات، فإذا غفر لوجه الله دل ذلك على غلبة محبة الله على هوى نفسه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مجاهدة النفس في الابتعاد الصارم عن كبائر الإثم والفواحش في عصر تيسرت فيه الفتن الرقمية والشهوات.
التدرب العملي على كظم الغيظ والتحلي بخلق العفو والصفح في المعاملات الأسرية والمجتمعية.
استحضار فضل العفو والمغفرة؛ فمن عفا عن عباد الله عفا الله عنه، والجزاء من جنس العمل.