بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 526)جامع البيانالطبري٢١/٥٢٦ أن قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} هو جواب الفاتحة ومقصود الافتتاح؛ فالمعنى: مثل هذا الإيحاء ومثل هذا التنزيل المعجز المحكم يوحي الله إليك يا محمد في هذا القرآن، وإلى الرسل الذين بعثوا من قبلك في كتبهم؛ فالوحي صادر من مصدر واحد، وغايته واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله وتجريد العبادة له.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 188)مصدر غير محدد٧/١٨٨ الآية بأن الله سبحانه يبين لرسوله وللناس أن ما جاء به ليس بدعاً من الأمر، بل هو سنة إلهية ماضية؛ فكما أوحى إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، أوحى إليك بهذا الكتاب العزيز؛ فهو تنزيل من {اللَّهُ الْعَزِيزُ} في ملكه وسلطانه وقدرته، {الْحَكِيمُ} في أقواله وأفعاله وتدبيره لرسالاته.
وقرأ الجمهور {يُوحِي} بضم الياء وكسر الحاء مبنياً للفاعل، ولفظ الجلالة {اللَّهُ} فاعله المؤخر، وقرأ ابن كثير المكي وحده {يُوحَى} بضم الياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول، ونائب الفاعل هو المصدر المفهوم من الفعل أو ما بعده، ولفظ الجلالة يرتفع حينئذ بفعل محذوف يفسره المذكور، أو على الابتداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، وذلك اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم ليوحي؛ أي: إيحاءً كائناً مثل ذلك الإيحاء العظيم يوحي إليك، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
{يُوحِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والوحي في اللغة: الإشارة السريعة والإعلام الخفي السريع في خفاء.
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بيوحي.
{وَإِلَى الَّذِينَ}: الواو عاطفة، وإلى اسم موصول مجرور معطوف على إليك متعلق بيوحي.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة للتعظيم.
{الْعَزِيزُ}: نعت أول للفظ الجلالة مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْحَكِيمُ}: نعت ثان مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو الربط المعجز بين الفواتح الحرفية وبين جوهر الرسالة؛ فلما نبه بـ {حم * عسق}، أخبر أن هذا النظم المعجز هو صورة من الوحي الذي ينزله العزيز الحكيم على رسوله وخاتم أنبيائه كما أنزله على سلفه من الرسل.
تأخير الفاعل الجليل {اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: للاهتمام ولتشويق النفوس إلى معرفة مصدر هذا الوحي؛ فذكر الفعل والوصف والموحى إليهم أولاً، ثم كشف عن الفاعل الأعظم وهو الله ذو العزة والحكمة، فتمكنت المهابة والتعظيم في القلب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات وحدة المصدر الرسالي ورد شبهة الانبتار: دحض القرآن شبهة المشركين الذين استغربوا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنكروا نزول الوحي عليه؛ فأقام عليهم محاكمة تاريخية وعقلية: إن محمداً ليس أول رسول يبعث، والقرآن ليس أول كتاب ينزل، بل هو امتداد لسلسلة النبوات المعروفة عند الأمم؛ فمن أقر بنبوة موسى وعيسى وإبراهيم لزمه عقلاً الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لتماثل الدلائل والمعجزات ووحدة المصدر الإلهي، والتفريق بين الرسل تحكم فاسد بلا برهان.
اقتران وصفي العزة والحكمة: الوحي صادر من العزيز الذي لا يغالب؛ فهو قادر على حماية رسالته وقهر أعدائها، ومن الحكيم الذي يضع كل حكم وخبر في موضعه الأتم؛ فاستحكمت الهداية وعصمت الرسالة من أي نقص أو تبديل.
التعبير بالمضارع {يُوحِي}: لإفادة التجدد والاستمرار؛ فالوحي كان يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً بحسب الوقائع والأحداث تثبيتاً لفؤاده وتوجيهاً لأمته.
الإشارة بـ {كَذَلِكَ}: إشارة تفخيمية لما نزل من آيات السورة، أو لما تقرر في سائر الحواميم من الحقائق العلية.
إبراز صفة العزة والحكمة في هذا المقام: لردع المستكبرين الذين ظنوا أن بمقدورهم التغلب على الوحي باللغو والشغب، فالعزيز ناصر رسله والحكيم مدبر كونه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار المسلم لشرف الانتماء إلى هذا الوحي الإلهي العظيم الذي نزل من لدن العزيز الحكيم على قلب رسوله الأمين.
رسوخ عقيدة الإيمان بجميع الأنبياء والكتب السماوية؛ فالمسلم يؤمن بجميع رسل الله ولا يفرق بين أحد منهم، ويفرح باتساق موكب النبوة عبر التاريخ البشري.
الثقة التامة بنصرة دين الله؛ فإن الوحي صادر من العزيز القاهر الذي لا يعجزه كيد الكائدين ولا مكر المحاربين.