بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 604)جامع البيانالطبري٢١/٦٠٤ أن معنى الآية: والذين انتصروا ممن ظلمهم واعتدى عليهم بالحق وأخذوا بحقهم المشروع بعد وقوع الظلم عليهم، فأولئك المنتصرون لأنفسهم بالعدل ما على أحد منهم من طريق للإثم أو العقوبة أو التثريب؛ لأنهم لم يعتدوا، وإنما استوفوا حقهم الذي جعله الله لهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 209)مصدر غير محدد٧/٢٠٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا ترخيص من الله تعالى للمظلوم في أن ينتصر من ظالمه بمثل ظلمه، ولا حرج عليه ولا ملامة في شرع الله، كما قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}.
وأوضح القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 41)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/٤١ أن قوله: {بَعْدَ ظُلْمِهِ}؛ أي بعد ظلم الظالم إياه، فالإضافة هنا إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، وهو تقييد بأن الانتصار لا يكون إلا بعد وقوع العدوان لا قبله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{انْتَصَرَ}: الانتصار: استيفاء الحق ودفع الظلم عن النفس، والهمزة والتاء للمطاوعة والطلب والجهد.
{سَبِيلٍ}: السبيل في الأصل: الطريق، ويستعمل مجازاً في الملامة والمؤاخذة والعقوبة؛ أي ليس لأحد طريق إلى عتابهم أو معاقبتهم.
الإعراب:
{وَلَمَنِ}: الواو استئنافية، اللام لام الابتداء تفيد التوكيد، {مَنِ}: اسم شرط جازم أو اسم موصول مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين في محل رفع مبتدأ.
{انْتَصَرَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط (أو صلة الموصول)، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بَعْدَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بانتصر، وهو مضاف.
{ظُلْمِهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه (إضافة المصدر لفاعله أو مفعوله).
{فَأُولَئِكَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط أو واقعة في خبر الموصول، {أُولَاءِ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ثانٍ، والكاف للخطاب.
{مَا}: نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{سَبِيلٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل أحكام الآية السابقة: لما قرر في الآية (40) أن جزاء سيئة سيئة مثلها وأن العفو أفضل، فصّل هنا حكم المنتصر لنفسه دفعاً لأي توهم بأن أخذ الحق ذنب أو نقيصة.
الجمع بين الإذن بالانتصار ونفي الملامة: تأكيد براءة المنتصر لنفسه بالعدل بنفي السبيل عنه بصيغة الاستغراق {مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}.
التمهيد لبيان من يستحق العقوبة: قصر نفي السبيل على المظلوم المدافع عن حقه مهد للآية التي تليها بحصر السبيل والمؤاخذة على الظالمين الباغين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على من يرى أن أخذ الحق قسوة: قد يدعي بعض دعاة التسامح المطلق أو الرهبانية أن المطالبة بالحقوق ومقاضاة الجناة تنافي الفضيلة، والرد القرآني الحاسم: أن أخذ الحق بالعدل حق أصيل وكرامة مشروعة، وهو سبب في قمع المعتدين؛ فالشرع لا يفرض العفو فرضاً يسقط هيبة المظلوم ويغري المجرم بالجريمة.
دقة التعبير بـ {بَعْدَ ظُلْمِهِ}: لا يجوز الانتصار بالشك أو التوقع أو الضربة الاستباقية القائمة على الظنون والأوهام، بل لا بد من تحقق العدوان ووقوع الظلم أولاً.
الاستعارة التصريحية في {سَبِيلٍ}: استعارة السبيل للمؤاخذة والمساءلة؛ كأن اللائم يبحث عن طريق يسلكه لمهاجمة المظلوم، فيجد الطريق مسدوداً تماماً بحكم الشرع.
الإشارة بـ {فَأُولَئِكَ}: اسم الإشارة للبعيد لرفعة شأنهم وعلو منزلتهم في محافظتهم على كرامتهم دون اعتداء.
الإشارة التدبرية: شريعة الإسلام شريعة الفطرة والواقعية؛ تراعي الطبيعة البشرية في حب الانتصاف، وتفتح في الوقت ذاته أبواب الفضل لمن رغب في درجات الصديقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الدفاع الشرعي عن النفس والعرض والمال والوطن بالقوانين والوسائل المباحة.
تبرئة ساحة المظلوم الذي يطالب بحقه أمام القضاء، وعدم لومه أو رميه بالقسوة إذا أبى التنازل.
التزام العدل والإنصاف التام عند أخذ الحق؛ فلا يحل للمظلوم أن ينتصر بما يتجاوز مظلمته.