بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 553)جامع البيانالطبري٢١/٥٥٣ أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} نزل في صناديد المشركين وأهل العناد الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في دين الله وأرادوا إطفاء نوره وصرف الناس عن اتباعه، وذلك من بعد ما استجاب له الناس ودخل العقلاء في دينه وظهرت معجزاته الباهرة واستبانت براهين صدقه.
وقوله: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: فسرها قتادة ومجاهد وابن كثير بأن حجتهم باطلة زائلة، زالقة ساقطة لا ثبات لها ولا وزن في ميزان الحق والعدل عند الله؛ مأخوذة من دحضت الرِّجْل إذا زلقت ولم تثبت.
وقوله: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}: جمع الله عليهم بين العذاب المعنوي بغضبه وسخطه عليهم، وبين العذاب الحسي الشديد في نار جهنم، جزاء لجاجهم ومحاربتهم للحق بعد وضوحه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يسفه جدال المعاندين الذين خوطبوا في الآية السابقة بقوله: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}؛ فبيّن أن مجادلتهم ليست طلباً للحق ولا حجة حقيقية، بل هي جدال داحض ساقط لا قيمة له، وتوعدهم بالغضب والعذاب.
تعليق المحاجة بـ {مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ}: تشنيع على لجاجهم وعنادهم؛ فالحق إذا انتشر وأقبلت عليه القلوب والعقول وزكت به النفوس، كان المكابر المصر على مجادلته أسفه الناس عقلاً وأشدهم عماية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان حجج الإلحاد والشرك أمام سطوع البرهان: تقرر الآية قاعدة منطقية في سقوط شبهات الباطل؛ فالحجة الداحضة هي الحجة التي ليس لها أصل علمي ولا سند واقعي، بل هي مغالطات تزلق وتهوي بصاحبها أمام سلطان الحق والوحي، فكل من عارض نصوص القرآن بفلسفة بشرية أو شبهة جدلية فحجته زالقة باطلة لا ثبات لها في ميزان العقل السليم.
الجمع بين الغضب والعذاب: يوضح القرآن أن عذاب الآخرة ليس مجرد ألم جسدي حسي، بل يقترن بأشد ألوان الخزي وهو غضب الرب وسخطه العظيم، وهذا أشد على النفوس من لهيب النيران.
الاستعارة في {دَاحِضَةٌ}: استعار الدحض وهو زلق القدم في الطين والمزلّة لسقوط الشبهات وبطلانها السريع أمام نور الوحي، فلا يقوى صاحبها على الوقوف في ميدان المناظرة.
التعبير بـ {عِنْدَ رَبِّهِمْ}: لبيان أن بطلان حجتهم حكم نهائي صادر من المحكمة الإلهية العليا التي لا مجال فيها للمخادعة ولا لتزييف الباطل.
التنكير في {غَضَبٌ} و{عَذَابٌ}: للتهويل والفظاعة؛ أي غضب لا يقادر قدره، وعذاب شديد مستمر لا يوصف ألمه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة واليقين التام بانتصار الحق وبطلان شبهات الطاعنين في القرآن والإسلام؛ فحججهم داحضة زائلة مهما زخرفوا لها القول في وسائل الإعلام.
الحذر من الجدال في آيات الله بالباطل والتعصب للمذاهب والأهواء بعد وضوح الدليل الشرعي؛ تجنباً لغضب الله ومقته.