فواتح السور بالحروف المقطعة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 471)جامع البيانالطبري١٦/٤٧١ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {الر}: حروف هجاء افتتح الله بها هذه السورة للدلالة على إعجاز القرآن العظيم، وأن هذا الكتاب الذي تتحدى به العرب مركب من جنس الحروف التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله.
غاية إنزال القرآن {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 483)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٣: «أي هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد لتخرج الخلق كافة من ظلمات الجهل والضلالة والشرك والشكوك إلى نور الهداية واليقين والإيمان؛ ولا يتم ذلك إلا بتوفيق الله ومعونته وتيسيره: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، فالرسول مبلّغ هادٍ بالدلالة، والله هو الموفق الهادي بالقدرة والخلق».
تفسير {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «صراط العزيز الحميد هو دين الإسلام وشرع الله المستقيم؛ والعزيز: المنيع الذي لا يُغلب، القاهر لكل شيء؛ والحميد: المحمود في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره على كل حال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كِتَابٌ
مصدر كتب يكتب كَتْباً وكتاباً؛ ثم أُطلق على المكتوب الجامع للآيات والشرائع.
الظُّلُمَاتِ
جمع ظُلمة؛ واستعيرت هنا لظلمات الكفر والجهل والضلال؛ وجُمعت لتعدد سبل الباطل وتشعب أهوائها.
النُّورِ
الضياء الساطع الكاشف للأشياء؛ واستعير لنور التوحيد والإيمان؛ وأُفرد لوحدة الحق وعدم تعدده.
الْعَزِيزِ
ذو العزة والجبروت والقوة التي لا تُرام.
الْحَمِيدِ
فعيل بمعنى مفعول ومفاعل؛ أي المحمود المستحق للحمد والثناء في ذاته وصفاته.
الر
حروف مقطعة لا محل لها من الإعراب، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه الر، أو مبتدأ خبره "كتاب".
كِتَابٌ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتابٌ، مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَنزَلْنَاهُ
فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع نعت لـ"كتاب".
بدل من "إلى النور" بإعادة الجار، أو متعلق بـ"تخرج".
الْعَزِيزِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الْحَمِيدِ
نعت لـ"العزيز" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الافتتاحية بعد ختام سورة الرعد:
اتصال محكم مع الآية الأخيرة من الرعد: {قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}؛ حيث عرّفت هذه الافتتاحية بهذا الكتاب المشهود عليه، وبيّنت علّة تنزيله ورسالته الكبرى.
الجمع بين الاسمين الجليلين {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}:
عزة الله تقهر المعاندين وتؤيد الرسالة بالقوة، وحمده يوجب محبته وطاعته لما يفيضه من نعم الإرشاد والوحي؛ فلا تخرج العزة إلى الظلم، ولا يخرج الحمد عن الهيبة والوقار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى نسبة الإخراج إلى الرسول مستقلاً:
بيّنت الآية باشتراط فوري محكم: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}؛ أن فعل النبي هو بذل السبب والبيان والإرشاد، وأن التأثير والتوفيق والإذن بالخروج من الضلال أمر موكول إلى إرادة الرب سبحانه.
جمع الظلمات وإفراد النور:
جمع "الظلمات" لأن مسالك الباطل وأهواء الشياطين شتى وكثيرة، وأفرد "النور" لأن طريق الحق واحد لا يتعدد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار شرف الرسالة وكونها إنقاذاً للبشرية:
الدعوة إلى الله ليست ترفاً، بل هي عملية إنقاذ كبرى للغارقين في ظلمات الشهوات والشبهات ونقلهم إلى واحة نور الله.
التواضع والافتقار إلى إذن الله في الهداية:
على الداعية أن يوقن أن فصاحته وبيانه لا يملكان هداية قلب واحد إلا إذا اقترنا بـ{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}؛ فيكثر من التضرع والدعاء.