تفسير الكلمة الخبيثة والشجرة الخبيثة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 558)جامع البيانالطبري١٦/٥٥٨ وابن أبي حاتم والترمذي عن أنس بن مالك وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ}: هي كلمة الشرك والكفر، ودعوة الباطل، والافتراء على الله؛ {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}: هي شجرة الحنظل (أو شجرة الثوم والكراث أو الطحلب الذي لا أصل له)؛ والحنظل شجرة خبيثة الطعم، خبيثة الرائحة، كريهة المنظر، لا أصل لها راسخ ولا فرع لها صاعد ولا ثمر لها يُنتفع به.
تفسير {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 501)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠١: «{اجْتُثَّتْ}: أي قُلعت واستؤصلت عروقها من على وجه الأرض؛ {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}: أي ليس لها ثبات ولا استقرار ولا أصل ممتد؛ فكذلك الكفر والباطل لا أصل له صحيح، ولا فرع له نافع، ولا يصعد له عمل إلى السماء، ولا ثبات له أمام رياح الحق، بل هو زاهق مضمحل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَبِيثَةٍ
الخبيث: الرديء الفاسد المكروه في ذاته أو في أثره، نقيض الطيب.
اجْتُثَّتْ
الجثّ: القلع والاستئصال من الأصل؛ واجتث الشيء: اقتلعه بجذوره.
قَرَارٍ
الثبات والاستقرار والتمكن في المكان.
وَمَثَلُ
الواو عاطفة، "مثل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
كَلِمَةٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
خَبِيثَةٍ
نعت لـ"كلمة" مجرور بالكسرة.
كَشَجَرَةٍ
الكاف اسم بمعنى مثل خبر المبتدأ (أو جار ومجرور شبه جملة خبر).
خَبِيثَةٍ
نعت لـ"شجرة" مجرور بالكسرة.
اجْتُثَّتْ
فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل جر نعت ثانٍ لـ"شجرة".
مِن فَوْقِ
متعلق بـ"اجتثت".
الْأَرْضِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
مَا
نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
لَهَا
خبر مقدم.
مِن قَرَارٍ
"من" حرف جر زائد لاستغراق النفي، "قرار" مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً (أو اسم ما)، والجملة في محل جر نعت ثالث لـ"شجرة" (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة مع مثل الكلمة الطيبة:
جاء هذا المثل في المقابلة الإعجازية التامة لمثل الكلمة الطيبة في الآيتين 24 و25؛ فبينما كانت الطيبة ذات أصل ثابت وفرع سامٍ وثمر دائم، كانت الخبيثة مجتثة من فوق الأرض، لا أصل لها يمسكها، ولا ثمر لها يُرجى، ولا قرار لها يحفظها؛ ليبرز التباين الحاسم بين الحق الراسخ والباطل الزاهق.
السر في قوله {مِن فَوْقِ الْأَرْضِ}:
يدل على أن عروقها سطحية تافهة لا تنفذ في باطن الأرض؛ فأدنى هبوب للريح يقتلعها ويطوح بها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع الاغترار بانتفاش الباطل وسطوته الظاهرة:
قد يرى الإنسان للباطل ضجيجاً وانتشاراً فيظن أن له ثباتاً ورسوخاً؛ فردت الآية هذه الشبهة: الباطل مهما انتفش فهو كالشجرة الخبيثة المجتثة، يبدو كبيراً في لحظة ولكنه خالٍ من الجذور الحقيقية؛ فأول مواجهة جادة مع سنن الله تقتلعه وتبيده: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18].
التشبيه التمثيلي في جانب السلب:
شبه كلمة الشرك والباطل في سرعة زوالها وانعدام نفعها وخبث عاقبتها بالشجرة الخبيثة المجتثة؛ لإثارة النفور والاشمئزاز منها في النفوس.
زيادة "مِن" في {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}:
تفيد استغراق نفي أي ذرة من الثبات أو القرار؛ دلالة على تذبذب أهل الباطل وحيرتهم الدائمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الكلمة الخبيثة وتبعاتها:
الكلمة الخبيثة (دعوة الضلال، الكذب، الغيبة، الشائعات) مسمومة تفسد المجتمعات؛ فعلى المسلم تطهير لسانه من كل ما يغضب الله.
اليقين بزوال الباطل مهما علا:
المؤمن لا يستوحش من علو أهل الباطل؛ فبين يديه هذا الضمان الإلهي: الباطل شجرة مقلوعة الجذور لا قرار لها ولا بقاء.