تسخير الشمس والقمر والليل والنهار لمصالح العباد:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 582)جامع البيانالطبري١٦/٥٨٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ}: أي يسر الله لكم الشمس والقمر دائبين في فلكهما، يدأبان في حركتهما ومنازلهما لا يفتران ولا يتوقفان ليلاً ولا نهاراً إلى أن يأتي أمر الله بقيام الساعة؛ فبضوء الشمس تنضج الثمار وتصلح الأبدان ويتحقق الإبصار، وبمنازل القمر تُعرف الشهور والأعوام وحساب الأزمنة؛ {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}: الليل لتسكنوا فيه وتستريح أبدانكم من النصب، والنهار لتبتغوا من فضل الله بالمعاش والحركة.
تفسير {دَائِبَيْنِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 507)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٧: «الدأب: المداومة والاستمرار على العمل بهمة ودأب لا ينقطع؛ فالشمس والقمر يتعاقبان بحساب متقن لا يسبق أحدهما الآخر ولا يضل مساره، كقوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَائِبَيْنِ
مثنى دائب، اسم فاعل من دأب يدأب دأباً ودؤوباً: إذا جدّ واستمر وثابر في الأمر بلا انقطاع ولا فتور.
اللَّيْلَ
الوقت الممتد من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ وهو محل السكن والظلمة.
النَّهَارَ
الوقت الممتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ وهو محل الضياء والنشاط.
وَسَخَّرَ
الواو عاطفة، فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
لَكُمُ
جار ومجرور متعلق بـ"سخر".
الشَّمْسَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
وَالْقَمَرَ
معطوف منصوب بالفتحة.
دَائِبَيْنِ
حال منصوبة بالياء لأنه مثنى من الشمس والقمر.
وَسَخَّرَ
معطوف.
لَكُمُ
متعلق بـ"سخر".
اللَّيْلَ
مفعول به منصوب.
وَالنَّهَارَ
معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من تسخير الأرضيات إلى تسخير الفلكيات:
في الآية 32 ذكر تسخير النعم الأرضية المباشرة (الماء، الثمار، الفلك، الأنهار)، ثم ارتقى في هذه الآية إلى النعم الكونية العلوية الفلكية (الشمس، القمر، تعاقب الليل والنهار)؛ ليعلم الإنسان أن الكون بأسره، علويه وسفليه، مسخر بنظام رباني محكم لرعاية حياته.
تكرار {وَسَخَّرَ لَكُمُ} للمرة الثالثة والرابعة:
تكرار الفعل مع "لكم" تأكيداً لحقيقة الغاية التكريمية للإنسان؛ فكل هذا الحشد الكوني إنما هو في خدمة هذا المخلوق المكلف ليعبد ربه وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع عبادة الأجرام السماوية:
كانت الشمس والقمر والنجوم معبودة لدى كثير من الأمم والشعوب الوثنية؛ فجاء التعبير القرآني الحاسم بلفظ {وَسَخَّرَ} ليسقط ألوهيتها؛ فالشمس والقمر ليسا إلهين ولا يملكان من أمرهما شيئاً، بل هما خادمان مسخران مأموران يدأبان بأمر سيدهما وخالقهما؛ فالمستحق للعبادة هو مسخرهما لا هما: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37].
الحال في {دَائِبَيْنِ} واستعارة صفة الدأب:
استعارة الدأب (وهو السعي البشري الحثيث) لحركة الشمس والقمر المنتظمة في الفلك؛ لإبراز النشاط الكوني المستمر الدقيق الذي لا يعرف كللاً ولا مللاً في طاعة الله.
الطباق بين {اللَّيْلَ} و{النَّهَارَ} و{الشَّمْسَ} و{الْقَمَرَ}:
طباق بديع يجمع أطراف النظام الكوني الزماني والمكاني؛ ويدل على تكامل المتضادات في مصلحة الإنسان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تنظيم الحياة وفق الساعة الكونية الربانية:
تعاقب الليل والنهار دعوة للمسلم لتنظيم وقته: ليل للسكينة والتهجد والراحة، ونهار للجد والعمل والإنتاج؛ فاستثمار الأوقات من أعظم علامات شكر هذه النعمة.
التفكر في عظمة النظام الكوني:
حركة الشمس والقمر الدؤوبة بدون توقف ولا تأخير ثانية واحدة عبر ملايين السنين تملأ القلب إجلالاً وتكبيراً لعظمة الخالق المبدع القيوم.