دعاء خليل الرحمن بالأمن وتطهير البلد الحرام من الأوثان:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 587)جامع البيانالطبري١٦/٥٨٧ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة وابن عباس: يذكر تعالى نبيه والمؤمنين بدعاء إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين بنى البيت الحرام وأسكن فيه إسماعيل وهاجر: {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا}: دعا لمكة أن يجعلها الله بلداً آمناً ذا أمن وحرمة، يأمن فيه الخائف ولا يُسفك فيه دم ولا يُصاد صيده ولا يُعضد شجره؛ فاستجاب الله دعاءه فجعله حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء؛ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}: أي أبعدني وأبعد أولادي وذريتي عن عبادة الأوثان والأصنام.
خوف إبراهيم من الشرك وقول إبراهيم التيمي:
أخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي قال: «من يأمن البلاء بعد خليل الله إبراهيم حين يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}؟! فلا ينبغي لأحد أن يغتر بإيمانه ولا يأمن على نفسه مكر الله وتقلب القلوب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اجْعَلْ
صيغة دعاء وطلب من الأدنى للأعلى؛ وهو للتصيير والخلق.
الْبَلَدَ
مكة المكرمة؛ وعُرّفت هنا بالعهد والمشاهدة: {هَٰذَا الْبَلَدَ} بخلاف آية البقرة {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا} لأنها كانت حينئذ وادياً قفراً قبل أن يكون بلداً.
وَاجْنُبْنِي
الجَنْب: الناحية والجانب؛ واجنبني الشيء: اجعلني في جانب واجعله في جانب آخر بعيداً عني؛ فهو أبلغ من أبعدني.
الْأَصْنَامَ
جمع صَنَم؛ وهو التمثال المصنوع من خشب أو حجر أو معدن على صورة إنسان أو حيوان ويُعبد؛ بخلاف الوثن الذي يكون حجراً بلا صورة.
وَإِذْ
الواو استئنافية، "إذ" ظرف متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قال.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ
فعل وفاعل مرفوع بالضمة، وإبراهيم ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
رَبِّ
منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
اجْعَلْ
فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
هَٰذَا
اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به أول.
الْبَلَدَ
بدل من اسم الإشارة منصوب بالفتحة الظاهرة.
آمِنًا
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
وَاجْنُبْنِي
معطوف على "اجعل"، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
وَبَنِيَّ
معطوف على الياء في "اجنبني" منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والياء المشددة مضاف إليه.
أَن نَّعْبُدَ
"أن" مصدرية، "نعبد" مضارع منصوب بأن، والفاعل مستتر، والمصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض أو مفعول ثانٍ لـ"اجنبني" (أي عن عبادة الأصنام).
الْأَصْنَامَ
مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيراد النموذج الإبراهيمي في تحقيق التوحيد:
بعد أن ندد بالمشركين الذين اتخذوا الأنداد وبدلوا نعمة الله كفراً في مكة، جاء بقصة أبيهم إبراهيم الذي بنى البيت ليدحض شركهم من جذوره؛ فمؤسس هذا البلد إبراهيم كان أشد الناس خوفاً من الأصنام وتبرؤاً منها؛ فكيف تزعمون اتباع ملته وأنتم تعكفون على الأصنام في فناء بيته؟!
البدء بالأمن قبل التوحيد في الدعاء:
بدأ بطلب الأمن {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا} لأن الأمن هو البيئة الحاضنة لقيام العبادات واستقرار المعاش ونماء التوحيد؛ فالخائف المروع لا تستقر عبادته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استشكال خوف خليل الرحمن من عبادة الأصنام وهو معصوم:
خوف إبراهيم ليس عن شك في إيمانه، بل هو غاية التواضع، وكمال المعرفة بعظمة الله، وشدة الحذر من كيد الشيطان، والافتقار التام لتثبيت الله؛ ولتقتدي به أمته من بعده فلا تأمن الفتنة.
البلاغة الفائقة في مادة {وَاجْنُبْنِي}:
التعبير بـ"اجنبني" يفيد المفاصلة المكانية والمعنوية التامة بين الموحد والوثنية؛ كأنهما في جانبين متضادين لا يلتقيان أبداً.
التنكير في {آمِنًا}:
يفيد كمال الأمن واستمراره واستغراقه لجميع المخاوف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دعاء الوالد لذريته بالسلامة العقدية:
أعظم ما يورثه الوالد لأبنائه هو حماية عقيدتهم؛ فإبراهيم قدم الدعاء بتجنب الأصنام على طلب الرزق والدنيا.
الحذر الدائم من الشرك:
إذا كان إمام الحنفاء وخليل الرحمن الذي كسر الأصنام بيده يرجف قلبه خوفاً ويسأل ربه السلامة، فكيف يأمن المسلم الضعيف على دينه من فتن الشرك والضلال؟!