مصير أهل الإيمان ونعيمهم الخالد في الجنان:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 545)مصدر غير محدد١٦/٥٤٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: بعد أن ذكر مصير الأشقياء في النار وما لاقوه من الخيبة وشرب الصديد وتبرؤ الشيطان، ذكر عاقبة السعداء الأبرار: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: جمعوا بين الإيمان القلبي الصادق والعمل الصالح بجوارحهم، فأدخلهم الله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار العذبة، مقيمين فيها إقامة أبدية لا تنقطع، بفضل الله وتوفيقه وإذنه: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}.
تفسير {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 499)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٩: «أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، وتسلم عليهم الملائكة من كل باب، ويسلم عليهم ربهم الرحيم، كقوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44]؛ فدارهم دار السلام، وكلامهم سلام، وحياتهم خالية من كل كدر ونصب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَالِدِينَ
الخلود: البقاء الدائم والدوام الأبدي الذي لا يعتريه فناء ولا زوال.
تَحِيَّتُهُمْ
التحية: التكريم والسلام والدعاء بالحياة الطيبة والبقاء في السلامة.
سَلَامٌ
الأمان التام والسلامة المطلقة من كل آفة ونقص وشر.
وَأُدْخِلَ
الواو عاطفة، فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل.
آمَنُوا
فعل وفاعل والصلة لا محل لها.
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
معطوف ومفعوله.
جَنَّاتٍ
مفعول به ثانٍ (أو منصوب على التوسع بنزع الخافض) منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
تَجْرِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة.
مِن تَحْتِهَا
متعلق بـ"تجري".
الْأَنْهَارُ
فاعل مرفوع بالضمة، وجملة "تجري" نعت لـ"جنات".
خَالِدِينَ
حال منصوبة بالياء.
فِيهَا
متعلق بـ"خالدين".
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
متعلق بمحذوف حال، ولفظ "ربهم" مضاف إليه.
تَحِيَّتُهُمْ
مبتدأ مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
فِيهَا
متعلق بمحذوف حال.
سَلَامٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية العظمى بين الوعد والوعيد:
بعد المشاهد المروعة لعذاب الجبابرة في جهنم وخيبة الأتباع والمتبوعين وخطبة إبليس، انعطف السياق فوراً إلى روضات الجنات ونعيم المؤمنين وسلام الملائكة؛ لإحداث التوازن النفسي القرآني بين الرهبة والرغبة.
التناسب بين السلام وأمن الجنة:
في النار صراخ واستغاثة وخيبة وتلاعن وتبرؤ؛ وفي الجنة سلام وسكينة وتحية وتآلف؛ مقابلة دقيقة تبرز الفرق الشاسع بين الدارين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى دخول الجنة بمجرد العمل دون فضل الله:
قرن دخولهم الجنة بقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}؛ ليطابق الحديث النبوي الصحيح: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» (متفق عليه)؛ فالعمل الصالح سبب ومؤهل، والدخول والتوفيق والخلود محض فضل وإذن من الرب الكريم.
البناء للمجهول في {وَأُدْخِلَ}:
للدلالة على التكريم والاحتفاء؛ فهم لا يدخلون سعياً بأنفسهم، بل يُستقبلون ويُدخلون بمواكب الملائكة والكرامة الإلهية.
الجملة الاسمية في {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}:
تفيد ثبوت واستقرار وصف السلام في الجنة؛ فلا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً، بل سلاماً مستمراً يغشى الأرواح والأبدان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين الإيمان والعمل الصالح:
القرآن لا يفصل بين العقيدة والعمل؛ فالإيمان شجرة تثمر الأعمال الصالحة، وبها يتحقق الاستبشار بجنات النعيم.
إفشاء السلام في الدنيا تأهيل لسلام الجنة:
من عاش في الدنيا ناشراً للسلام والمحبة والإحسان، أهّله الله لدخول دار السلام والاستمتاع بتحية الملائكة والرحمن.