بيان ما يستقبل الجبار من العذاب المقيم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 521)جامع البيانالطبري١٦/٥٢١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: {مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ}: أي من أمام هذا الجبار العنيد ومن بعد هلاكه في الدنيا تنتظره نار جهنم مأوى ومصيراً، كقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] أي أمامهم.
حقيقة {مَّاءٍ صَدِيدٍ}:
روى الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ}: قال: «يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ».
وعن مجاهد وقتادة: الصديد هو القيح والدم والصديد الذي يسيل من جلود وفروج أهل النار، يُجمع فيُسقى منه هؤلاء الجبابرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَرَائِهِ
الوراء هنا بمعنى الأمام والمستقبل؛ وتستعمل الوراء في لغة العرب للأمام وللخلف من الأضداد؛ لأن الزمن يتقادم فما يأتي بعد الموت كأنه خلفه وقدامه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل خيبة الجبار المذكورة في الآية السابقة:
لما قال: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}، فصّلت هذه الآية والتي بعدها وجه تلك الخيبة وأبعادها؛ فليست الخيبة مجرد فوات النصر الدنيوي، بل خيبة كبرى في نار جهنم بشراب الصديد المهين.
إيراد الجزاء من جنس العمل:
الجبار الذي كان يستعلي على الناس بالترفع والبذخ، يُذله الله في جهنم بأن يكون شرابه قيحاً وصديداً؛ جزاءً وفاقاً على كبره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استشكال إطلاق "الوراء" على المستقبل:
استعمال "الوراء" للأمام شائع فصيح في لغة القرآن والعرب؛ لأن ما يستقبله المرء بعد فوات وقته الحاضر يقع وراء ظهره ومصيره المحتوم أمامه؛ وهو تعبير يزرع الهيبة في النفس بأن المصير يرصده ويتتبعه أينما ذهب.