جواب الرسل عن شبهة البشرية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 507)جامع البيانالطبري١٦/٥٠٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: اعترفت الرسل لأقوامهم ببشريتهم قائلين: صدقتم، ما نحن إلا بشر مثلكم في الخلقة والصفات والطبائع، لسنا ملائكة ولا أرباباً؛ ولكن اصطفاء النبوة محض فضل ومنة واختيار من الله يخص به من يشاء من عباده لحكمته البالغة، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].
حقيقة الإتيان بالمعجزات والآيات:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 490)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٠: «{وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: أي ليس في وسعنا ولا في قدرتنا أن نأتيكم بحجة خارقة أو معجزة اقترحتموها إلا إذا أذن الله وأراد؛ فالأمر كله لله لا إلينا، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: في جميع أمورهم ورد كيد أعدائهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَمُنُّ
المنة: الإنعام العظيم والتفضل بالهبة التي لا عوض لها؛ والنبوة أعظم منن الله على الإطلاق.
بِسُلْطَانٍ
برهان وحجة خارقة تُبهر الألباب وتثبت صدق الرسالة.
فَلْيَتَوَكَّلِ
التوكل: تفويض الأمر والاعتماد القلبي التام على الله مع مباشرة الأسباب.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
فعل ماض والتاء للتأنيث، والجار والمجرور متعلق به، "رسلهم" فاعل ومضاف إليه.
إِن نَّحْنُ
"إن" نافية، "نحن" ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
إِلَّا
أداة استثناء مفرغ وحصر.
بَشَرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّثْلُكُمْ
نعت لـ"بشر" مرفوع، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
وَلَٰكِنَّ
الواو عاطفة، "لكنّ" حرف ناسخ للاستدراك ينصب الاسم ويرفع الخبر.
اللَّهَ
لفظ الجلالة اسم لكنّ منصوب بالفتحة.
يَمُنُّ
مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
عَلَىٰ مَن يَشَاءُ
متعلق بـ"يمنّ"، وجملة الصلة لا محل لها.
مِنْ عِبَادِهِ
متعلق بمحذوف حال من "مَنْ".
وَمَا كَانَ
الواو عاطفة، "ما" نافية، "كان" فعل ماض ناسخ.
لَنَا
متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
أَن نَّأْتِيَكُم
"أن" مصدرية، "نأتيكم" مضارع منصوب والكاف مفعول والمصدر المؤول اسم كان مؤخر.
بِسُلْطَانٍ
متعلق بـ"نأتيكم".
إِلَّا
أداة استثناء وحصر.
بِإِذْنِ اللَّهِ
جار ومجرور في محل نصب حال، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
الفاء رابطة أو عاطفة، اللام لام الأمر، "يتوكل" مضارع مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
الْمُؤْمِنُونَ
فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الأدب الرفيع وإسقاط دعوى التعالي:
الرسل لم يكابروا في نفي بشريتهم، بل أقروا بها فوراً ليفصلوا بين الذات البشرية الضعيفة وبين المنة الإلهية المصطفاة؛ وفي ذلك غاية النبل والأدب النبوي في بيان حقيقة الوحي.
التدرج إلى إعلان التوكل:
ختم الآية بالدعوة إلى التوكل: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} تمهيد للموقف النفسي الحاسم في الآية التالية؛ حيث يشتد التهديد فيقابله الرسل بالتوكل المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استلزام البشرية عدم الرسالة:
أثبتت الرسل قاعدة عقلية بالغة: الاصطفاء الإلهي فعل من أفعال الله واهب العطايا؛ وبشرية الإناء لا تمنع جلال ونقاء ما يودع فيه من وحي؛ فالنبوة فضل يختص به الحكيم العليم من شاء من عباده وليس استحقاقاً مادياً موروثاً.
أسلوب الاستدراك بـ{وَلَٰكِنَّ}:
لدفع توهم نقص الرسالة بسبب بشرية الحامل؛ فالاستدراك ينقل السامع من بشرية الرسول إلى عظمة المرسل ومنّته.
تقديم المعمول في {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ}:
تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ فلا يُتوكل بحق إلا على الحي القيوم الذي يملك الضر والنفع والإذن بالآيات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تواضع الداعية واعترافه بفضل الله:
الداعية الصادق لا ينسب الفضل لنفسه ولا يزعم مقامات خارقة، بل يقر ببشريته وضعفه ويعزو كل توفيق في دعوته إلى منة الله وفضله.
التوكل مأوى المؤمنين في الشدائد:
إذا أوصدت الأبواب وطلب المعاندون المستحيل واستكبروا، فليس للمؤمن إلا أن يلقي عصا التوكل بباب ربه مطمئناً لنصره.