معنى الاستفتاح وخيبة الجبارين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 518)جامع البيانالطبري١٦/٥١٨ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {وَاسْتَفْتَحُوا}: أي استنصرت الرسل بربهم وسألوه الفتح والقضاء بينهم وبين أقوامهم، كما قال نوح: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118]، واستفتح الكفار أيضاً تعنتاً كقول قريش: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [الأنفال: 32]؛ فكانت النتيجة الحتمية: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}: أي خسر وهلك كل متكبر متمرد على أمر الله، معاند للحق راد له.
تفسير {جَبَّارٍ عَنِيدٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 493)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٣: «الجبار: المتكبر في نفسه المترفّع على عباد الله؛ والعنيد: المعاند للحق الذي إذا عرفه رده وجحده استكباراً؛ وكل من اتصف بهذين الوصفين فمصيره الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتَفْتَحُوا
السين والتاء للطلب؛ طلبوا الفتح، والفتح هو الحكم والقضاء والنصر؛ فاستفتحوا: طلبوا النصر والقضاء بين الفئتين.
خَابَ
خسر ولم يظفر بمراده وهلك وحُرم الخير.
جَبَّارٍ
فعال من الجبروت؛ المتعالي بالقهر المتسلط بالظلم.
عَنِيدٍ
فعيل من العَنَد والعُنود؛ المائل عن الحق المعاند له بعد ظهوره.
وَاسْتَفْتَحُوا
الواو استئنافية، "استفتحوا" فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
وَخَابَ
الواو عاطفة تفيد التعقيب والنتيجة، "خاب" فعل ماض مبني على الفتح.
كُلُّ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
جَبَّارٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
عَنِيدٍ
نعت لـ"جبار" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنجاز الوعد بالنصر:
بعد أن ذكر في الآيات 13 و14 وعد الله بإهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين الأرض، بيّنت هذه الآية أن هذا الوعد تحقق باستفتاح الرسل واستجابة الله لهم وخيبة الجبارين؛ لتلتحم الخاتمة بمقدمتها في نسق مظفر.
الجمع بين الجبروت والعناد:
قرن "الجبار" بـ"العنيد" لأن الجبروت كبر في النفس وسلوك خارجي، والعناد جحود في القلب ورد فكري للحق؛ فإذا اجتمعا في امرئ استحكمت خيبته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى فلاح الجبابرة بما نالوه في الدنيا:
قد يرى الرائي بقاء الجبابرة في الملك حيناً فيظن فلاحهم؛ فردت الآية بأن خيبتهم حكم إلهي كلي نافذ: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ}؛ فما ينالونه إنما هو استدراج يعقبه الخزي، ثم ما ينتظرهم من عذاب الآخرة ينسف كل لذة عاجلة.
إطلاق {كُلُّ} للعموم التام:
استعمال "كل" يفيد الاستغراق والشمول؛ فلا يشذ جبار ولا يفلت عنيد من سنّة الخيبة والبوار، أياً كانت قوته وأتباعه.
الإيجاز الإعجازي في {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ}:
كلمتان لخصتا مشهداً عظيماً: رفع الأكف بالدعاء، يعقبه سقوط عروش الطغيان وخيبة المستكبرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح الاستفتاح والدعاء في المعارك الفاصلة:
الاستفتاح والاستنصار بالله سلاح الأنبياء في أحلك الساعات؛ فعلى المؤمنين عند اشتداد البلاء أن يستفتحوا بالدعاء والضراعة واثقين بنصر الله.
سوء عاقبة الكبر والعناد:
الخيبة قرينة الكبر؛ فمن تجبر على الخلق وعاند الحق فقد حكم على نفسه بالهوان والخسران عاجلاً أو آجلاً.