جعل الأنداد لله والصد عن سبيله:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 573)جامع البيانالطبري١٦/٥٧٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: يخبر تعالى عن شناعة جرم المشركين؛ جعلوا لله شركاء وأمثالاً وأنداداً من الأصنام والأوثان والأحبار والرهبان يعبدونهم معه، وعلة ذلك: {لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ}: ليصرفوا الناس عن دينه وصراطه المستقيم ويتبعوا أهواءهم.
القراءات المتواترة في {لِّيُضِلُّوا}:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف: {لِّيُضِلُّوا} بضم الياء؛ من أضلّ الرباعي المتعدي؛ أي ليصرفوا غيرهم عن سبيل الله.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: {لِيَضِلُّوا} بفتح الياء؛ من ضلّ الثلاثي اللازم؛ أي ليضلوا هم في أنفسهم عن سبيل الله (أو هو متعدٍ أيضاً في لغة).
الوعيد والتهديد في {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 505)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٥: «هذا أمر تهديد ووعيد شديد، كقوله تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24]؛ أي تمتعوا بما أنتم فيه من الدنيا القليلة الفانية، فإن مآلكم ومنقلبكم المحتوم إلى عذاب النار المؤبد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَندَادًا
جمع نِدّ؛ وهو الشبيه والنظير والمثل الذي يضاهيه وينازعه في خصائصه.
تَمَتَّعُوا
التمتع: التلذذ بالشيء والانتفاع به زمناً مؤقتاً يسيراً.
مَصِيرَكُمْ
المرجع والمنقلب والغاية التي ينتهي إليها الأمر.
وَجَعَلُوا
الواو عاطفة، فعل ماض والواو فاعل.
لِلَّهِ
متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ"جعلوا" (أو حال).
أَندَادًا
مفعول به أول منصوب بالفتحة.
لِّيُضِلُّوا
اللام لام العاقبة أو الصيرورة (أو التعليل)، "يضلوا" مضارع منصوب بأن مضمرة والواو فاعل والمصدر المؤول متعلق بـ"جعلوا".
عَن سَبِيلِهِ
متعلق بـ"يضلوا"، والهاء مضاف إليه.
قُلْ
فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
تَمَتَّعُوا
فعل أمر والواو فاعل، وجملة "تمتعوا" مقول القول في محل نصب والأمر للتهديد.
فَإِنَّ
الفاء تعليلية، "إن" حرف ناسخ.
مَصِيرَكُمْ
اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح مظهر التبديل وعلته:
في الآية 28 قال: {بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا}، فبينت هذه الآية كيف كان هذا التبديل: باتخاذ الأنداد، وكشفت عن الغاية منه: الصد عن سبيل الله؛ ثم قطعت عليهم أمل النجاة بإعلان المصير الناري.
الاقتران بين الشرك والصد عن السبيل:
المشرك لا يكتفي بضلاله الذاتي، بل يسعى حثيثاً لإضلال غيره وتأسيس منظومة الشرك لمنع امتداد التوحيد؛ فكان جرمه مضاعفاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استحالة وجود ند للخالق:
العقل يحكم باستحالة وجود ند لخالق الكون؛ فالند يقتضي المشاركة في الخلق والتدبير، ولو كان معه آلهة لفسدت السماوات والأرض؛ وتسميتهم "أنداداً" إنما هي بحسب زعمهم الفاسد وتسمياتهم الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
صيغة الأمر للتهديد في {تَمَتَّعُوا}:
خروج صيغة "افعل" عن أصلها (الطلب) إلى معنى التهديد والوعيد والتحقير؛ وهو من أبلغ أساليب التقريع؛ فكأنه يقول: افعلوا ما شئتم في هذه الأيام المعدودة فإن الحساب الصاعق ينتظركم.
لام العاقبة في {لِّيُضِلُّوا}:
حتى لو زعموا أنهم قصدوا التقرب إلى الله، فإن النتيجة الحتمية لصنيعهم هي الإضلال والهلاك؛ فجاءت اللام لتبين عاقبة أمرهم البوار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر عمر متاع الظالمين وحتمية مصيرهم:
مهما نعم الظالمون والمشركون بمباهج الدنيا الزائلة، فإن هذا المتاع قصير حقير: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}؛ وفي ذلك تثبيت للمؤمن ألا يغتر بتقلب الذين كفروا في البلاد.
الجهاد الفكري في مواجهة الأنداد المعاصرة:
الأنداد ليست أصناماً حجرية فحسب، بل تشمل كل ما يُعبد ويُطاع من دون الله من أهواء ونظم وتشريعات فاسدة؛ ومهمة الداعية تحرير العقول وإعادتها لتوحيد رب العالمين.