تهديد الطغاة للرسل بالنفي والإكراه:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 513)جامع البيانالطبري١٦/٥١٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: لما أفلست الأمم المكذبة من مقارعة الحجة بالحجة وانقطعت براهينهم، لجأوا إلى سلاح العاجز الباغي وهو التهديد بالقوة الجبرية؛ فقالوا لرسلهم مؤكدين بالأيمان: {لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا} بالنفي والإبعاد والتشريد، {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}: أي أو لترجعن إلى ديننا وعبادة آلهتنا؛ وكان جواب الرسل الثبات.
الوحي الإلهي الفاصل بنصرة الحق:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 491)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩١: «{فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}: طمأن الله قلوب رسله وأثابهم على صبرهم وتوكلهم بأن العاقبة لهم، وأن سنة الله جارية في إهلاك هؤلاء المستكبرين الذين تجاوزوا حدهم وتجبروا على رسل الله».
الملة: الدين والشريعة والطريقة التي يجتمع عليها القوم.
فَأَوْحَىٰ
الوحي: الإلقاء السريع الخفي للخبر والتشريع؛ وأوحى الله لرسله بوحي النبوة المطمئن.
وَقَالَ
الواو استئنافية، "قال" فعل ماض.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
كَفَرُوا
صلة الموصول.
لِرُسُلِهِمْ
متعلق بـ"قال".
لَنُخْرِجَنَّكُم
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "نخرجن" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به والميم للجمع.
مِّنْ أَرْضِنَا
متعلق بـ"نخرجنكم".
أَوْ
حرف عطف يفيد التخيير أو الإضراب المقيد بالشرط (إلا أن تعودوا).
لَتَعُودُنَّ
معطوف على جواب القسم مبني على الفتح في محل رفع أو منصوب بأن مضمرة.
فِي مِلَّتِنَا
متعلق بـ"تعودن".
فَأَوْحَىٰ
الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر، "أوحى" فعل ماض.
إِلَيْهِمْ
متعلق بـ"أوحى".
رَبُّهُمْ
فاعل مرفوع بالضمة.
لَنُهْلِكَنَّ
اللام واقعة في جواب قسم محذوف في الموحى به، "نهلكن" مضارع مبني على الفتح للاتصال بنون التوكيد، والفاعل مستتر.
الظَّالِمِينَ
مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعقيب الفوري على إعلان التوكل:
في الآية 12 أعلنت الرسل: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا}؛ فجاء رد الكفار بتصعيد الأذى إلى النفي التام؛ فجاء الوحي الإلهي معقباً بالفاء: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} لإشعارهم بأن النصرة الربانية قريبة حاضرة لا تتأخر عن أهل التوكل.
تسمية الكفار بـ{الظَّالِمِينَ} في الوحي:
عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر الموصوف بالظلم؛ لبيان علة إهلاكهم؛ فالإهلاك ليس تشفياً بل هو جزاء عادل على ظلمهم وبغيهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة ردة الرسل في قوله {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}:
قد يتوهم واهم أن الرسل كانوا في ملتهم أولاً ثم رجعوا عنها لقولهم "لتعودن"؛
والرد المحكم: أن الخطاب موجه للرسل وأتباعهم المؤمنين، وكان في الأتباع من كان على ملتهم فأسلم؛ أو أن العود هنا بمعنى الصيرورة كقولك: عاد الماء حاراً (أي صار)، ولم يكن حاراً قبل ذلك؛ أو هو من باب تغليب الأتباع على الرسل، فالأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها بإجماع الأمة.
تنازع الأقسام المؤكدة بين الطغيان والقدرة الإلهية:
أكّد الطغاة تهديدهم بنون التوكيد والقسم {لَنُخْرِجَنَّكُم}، فقابلهم الله بالقسم الإلهي الصادق المؤكد بالنون {لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}؛ لبيان أن إرادة الله هي الغالبة القاطعة.
إضافة الأرض إلى الكفار {أَرْضِنَا}:
استعلاء استكباري يوحي بتملكهم للأرض وحرمان غيرهم من حق الحياة فيها؛ وهو منطق كل طاغية يرى الوطن ملكية خاصة له ولحزبه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة النفي والتشريد في تاريخ المصلحين:
سنة الاضطهاد والنفي سنة ماضية في أتباع الرسل؛ والواجب هو الثبات واليقين بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.
سرعة الفرج عند بلوغ الكرب مداه:
حين ضاقت السبل بالرسل وهُددوا بالإخراج، تنزل الوحي بالبشرى؛ فاشتداد الأزمة مؤذن بانفراجها القريب.