تفسير تبديل نعمة الله كفراً وإحلال القوم دار البوار:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (حديث رقم 4700)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٠٠ عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا}: قال: «هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ؛ نِعْمَةُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَحْمَةً وَنِعْمَةً، فَبَدَّلُوا بِهِ كُفْرًا وَتَكْذِيبًا».
وأخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 568)جامع البيانالطبري١٦/٥٦٨ وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد وقتادة: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}: أي أنزلوهم دار الهلاك والخسران؛ فكان ذلك في الدنيا يوم بدر حين قُتل قادتهم وسيق أتباعهم إلى القليب، وفي الآخرة بإنزالهم جهنم.
العموم في كل من كفر بالنعمة:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 504)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٤: «وإن كان سبب النزول في مشركي قريش وقادتهم، إلا أن اللفظ عام في كل من بدّل نعمة الله كفراً وجحد فضل الله؛ فالنعمة عامة في إرسال الرسل وإنزال الكتب وجميع الآلاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَدَّلُوا
التبديل: جعل شيء مكان شيء آخر وإزالة الأول؛ وبدلوا نعمة الله كفراً: قابلوا النعمة بالجحود بدلاً من الشكر.
أَحَلُّوا
أنزلوا وأسكنوا وأوردوا.
الْبَوَارِ
الهلاك والكساد والخسران؛ بار الشيء يبور بوراً وبواراً: إذا فسد وهلك ولم يُنتفع به؛ ومنه: سوق بائرة (كاسدة).
مفعول به أول لـ"بدلوا" منصوب بالفتحة، وكتبت بالتاء المفتوحة في الرسم العثماني.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه.
كُفْرًا
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَأَحَلُّوا
معطوف على "بدلوا".
قَوْمَهُمْ
مفعول به أول منصوب، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
دَارَ
مفعول به ثانٍ منصوب (أو منصوب على الظرفية بنزع الخافض).
الْبَوَارِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بمثل الكلمة الخبيثة:
بعد أن بيّن أن الكلمة الخبيثة شجرة مجتثة ما لها من قرار، نبه هنا على التطبيق العملي الواقعي لتلك الكلمة الخبيثة في سادات قريش والمشركين: كيف أنتجت كلمتهم الخبيثة تبديلاً للنعمة وإيراداً لقومهم موارد الهلاك والبوار.
التنبيه بالاستفهام التعجيبي:
تصدير الآية بـ{أَلَمْ تَرَ إِلَى} يثير دهشة السامع من هذا السلوك البشري الشاذ: كيف يُقابل الإنعام والرحمة بالتمرد والجحود؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استغراب وقوع البوار بأهل المنعة:
قريش كانت آمنة في حرم الله، مطمئنة تطعم من جوع وتؤمن من خوف؛ فلما كفروا بالنعمة واستكبروا على الرسول ﷺ سلبت منهم العافية وحل بهم البوار؛ ليعلم العقلاء أن الأمن والتمكين لا يحميان صاحبهما إذا حلت بهما جناية كفران النعم.