المحاكمة العقلية والفطرية الكبرى {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 502)مصدر غير محدد١٦/٥٠٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: ردت الرسل على مقالة أقوامهم بأبلغ استفهام إنكاري: كيف يقع الشك في وجود الله وتوحيده وألوهيته، وهو {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، وآثار صنعته وقدرته ناطقة في كل ذرة في الوجود؟! والفطرة السليمة تشهد به قبل ورود الأدلة العقلية.
تفسير {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 489)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٩: «أي يدعوكم بالرسل والكتب لا لحاجة منه إليكم، بل ليتفضل عليكم بالمغفرة ويمحو عنكم ذنوبكم السابقة بالإسلام، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: يمد في أعماركم في عافية وأمن إلى الوقت المقدر لآجالكم ولا يستأصلكم بالعذاب في الدنيا كما فعل بالأمم قبلكم».
شبهة المشركين المتكررة: الاستمساك بتقليد الآباء والطعن بالبشرية:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص468)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٨: «رد الكفار البرهان الساطع بحجتين واهيتين: الأولى الطعن في بشرية الرسل {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، والثانية التعصب الأعمى للتقاليد {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}؛ ثم طلبوا معجزات تعنتية: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}».
مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به، والجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة (أو مستأنفة).
لِيَغْفِرَ
اللام للتعليل، "يغفر" مضارع منصوب بأن مضمرة.
لَكُم
متعلق بـ"يغفر".
مِّن ذُنُوبِكُمْ
"من" للتبعيض أو لبيان الجنس أو زائدة، والجار متعلق بـ"يغفر".
وَيُؤَخِّرَكُمْ
معطوف على "يغفر".
إِلَىٰ أَجَلٍ
متعلق بـ"يؤخركم".
مُّسَمًّى
نعت لـ"أجل" مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
قَالُوا
فعل وفاعل.
إِنْ أَنتُمْ
"إن" نافية، "أنتم" مبتدأ.
إِلَّا
أداة استثناء مفرغ وحصر.
بَشَرٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
مِّثْلُنَا
نعت لـ"بشر" مرفوع، و"نا" مضاف إليه.
تُرِيدُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صفة ثانية لـ"بشر" أو حال.
أَن تَصُدُّونَا
مصدر مؤول مفعول به لـ"تريدون".
عَمَّا
متعلق بـ"تصدونا".
كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
جملة صلة الموصول لا محل لها.
فَأْتُونَا
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، "ائتوا" أمر وفاعله ومفعوله.
بِسُلْطَانٍ
متعلق بـ"ائتونا".
مُّبِينٍ
نعت لـ"سلطان" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بأقوى الحجج الفطرية لدحض الشك:
ردت الرسل على دعوى الكفار {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ} بالاستفهام الإنكاري المصدر باسم الجلالة الموصوف بالخالقية: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}؛ وهو أسلوب يزعزع بنيان الشك في أصله؛ لأن الشك في الله كالشك في ضوء الشمس في رابعة النهار.
المقابلة بين رغبة الله في نجاتهم ورغبة الكفار في التعلق بالماضي:
الله يدعوهم ليغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم، وهم يقابلون هذه الدعوة الكريمة بالنكوص إلى عبادة الأوثان ومجرد تقليد الآباء؛ فظهر التباين الصارخ بين كرم الرب وجهل العبيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بشرية الرسل:
كرر الكفار: {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا} ظناً منهم أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً؛ وهذا جهل بحكمة التكليف؛ فالرسول البشري هو الأقدر على مخاطبة البشر ونقل النموذج العملي للشرع، ولو كان ملكاً لما استطاعوا رؤيته ولما أمكنهم الاقتداء به.
الاستفهام الإنكاري المتضمن للبديهة الفطرية:
{أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}: تقديم الجار والمجرور مع الاستفهام الإنكاري يحيل القضية إلى محكمة الفطرة والعقل والبداهة؛ فلا مكان للشك في أظهر الواضحات.
التنكير في {شَكٌّ} لاستغراق النفي:
تنكير "شك" في سياق الاستفهام الإنكاري يفيد نفي أدنى شائبة شك أو ريب في ألوهيته وخالقيته سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استنطاق الفطرة في الحوار الدعوي:
أنجع وسائل الدعوة هي تذكير المخاطب بالحقائق الفطرية الكبرى والآيات الكونية التي لا يماري فيها عاقل، قبل الدخول في التفاصيل الجزئية.
التحرر من قيود التبعية للآباء والموروث الفاسد:
التعصب للموروث القديم هو الصخرة التي تحطمت عليها هداية كثير من الأمم؛ والمؤمن يتبع الدليل والبرهان ولا يعبد ما كان يعبد الآباء إلا ما وافق الحق.