غنى الله المطلق عن الخلق وطاعاتهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 493)مصدر غير محدد١٦/٤٩٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: يقول موسى لقومه بني إسرائيل: اعلموا أن الله لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بشكركم؛ فلو كفرتم جميعاً أنتم وسائر أهل الأرض من أولهم إلى آخرهم إنسهم وجنهم لما نقص ذلك من ملك الله وسلطانه ذرة؛ فهو الغني بذاته عن جميع خلقه، المحمود في ملكه المستحق للحمد حمده خلقه أو جحدوا.
الشاهد من السنة النبوية المطهرة:
هذه الآية الكريمة يفسرها الحديث القدسي الجليل الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما روى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا؛ يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا؛ يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَمِيعًا
لفظ يفيد الإحاطة والاستغراق والشمول؛ أي كل من وطئ الثرى بلا استثناء.
لَغَنِيٌّ
فعيل من الغنى؛ الذي لا يفتقر إلى شيء وكل شيء مفتقر إليه.
حَمِيدٌ
فعيل بمعنى محمود؛ يستحق الحمد لذاته وصفاته سواء وجد حامدون أم عدموا.
وَقَالَ مُوسَىٰ
فعل وفاعل.
إِن
حرف شرط جازم.
تَكْفُرُوا
مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل.
أَنتُمْ
ضمير منفصل توكيد للواو في "تكفروا" (أو مبتدأ).
وَمَن
الواو عاطفة، "مَنْ" اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على الضمير.
فِي الْأَرْضِ
متعلق بمحذوف صلة الموصول.
جَمِيعًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة (أو توكيد).
فَإِنَّ اللَّهَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "إن" حرف ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها.
لَغَنِيٌّ
اللام المزحلقة، "غني" خبر إن أول مرفوع بالضمة.
حَمِيدٌ
خبر إن ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة "فإن الله..." في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة أي شبهة حاجة إلهية إلى شكر العباد:
لما قال في الآية 7: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، قد يسبق لوهم واهم أن الله يطلب الشكر لحاجة إليه كما يطلبه ملوك الدنيا من رعاياهم لتقوية سلطانهم؛ فبادر موسى بهذه الآية لقطع هذا الوهم الفاسد: إنما أمركم بالشكر لمصلحتكم أنتم، أما هو فغني حميد لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.
الاقتران بين {غَنِيٌّ} و{حَمِيدٌ}:
كمال في الثناء؛ فرب غني في البشر لئيم بخيل لا يُحمد، ورب فقير ممدوح محمود وليس بغني؛ أما الله تعالى فجامع بين كمال الغنى وكمال الإحسان الموجب للحمد المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى تضرر الرب بكفر العالمين:
العقل الصريح يحكم بأن الخالق الأزلي الذي أوجد الكون من العدم مستغنٍ عن خلقه، وأن العبادات تكاليف لمصلحة الإنسان لا لمصلحة الخالق؛ فلو كفر أهل الأرض قاطبة لما خدش ذلك في كبريائه مثقال خردلة؛ وهذا يرد على من يتوهم أن الدين وُضع لحاجة إلهية مجردة.
التعميم والإحاطة في {وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}:
توسيع دائرة الافتراض لتشمل أهل الأرض جميعاً دفعة واحدة؛ لبيان أن الجمع البشري مهما كثر وتكتل فهو ذرة هباء أمام عظمة الرب الغني.
الاسمية والتوكيد بـ"إنّ" واللام في جواب الشرط:
{فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}؛ دلالة على ثبوت واستقرار هذه الصفة أزلاً وأبداً لا تتأثر بفعل فاعل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار فقر العبد وعزة الرب:
حين يعلم المسلم أن الله غني عنه، يمتلئ قلبه تواضعاً وانكساراً، ويعلم أن توفيقه للعبادة محض منة وفضل من الله عليه تستوجب حمداً جديداً.
الثقة والاطمئنان عند فتنة كثرة الضالين:
لا يستوحش الداعية ولا يضيق صدره حين يرى كثرة المعرضين في الأرض؛ فالله غني عنهم، والعاقبة للصادقين، وركاب الحق ماضية بحفظ الله.