تعليل الخوف من الأصنام واستعطاف الخليل لأمته:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 590)جامع البيانالطبري١٦/٥٩٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يعلل إبراهيم عليه السلام خوفه ولجوءه إلى ربه بقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ}: أي كانت الأصنام سبباً لافتتان كثير من البشر وضلالهم عن الصراط المستقيم، فعبدوهن من دونك؛ ثم قال برحمة ورقة بالغة: {فَمَن تَبِعَنِي} على التوحيد ودين الإسلام {فَإِنَّهُ مِنِّي} في ديني وولايتي ومرافقتي، {وَمَنْ عَصَانِي} فيما دون الشرك، أو عسى أن يتوب بعد ذلك، {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تتغمده بالمغفرة والرحمة وتهديه للتوبة.
موقف النبي ﷺ وبكاؤه عند هذه الآية:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (حديث رقم 202)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٢ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي!" وَبَكَى؛ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: "يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ"».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَضْلَلْنَ
الإضلال هنا مجازي سببي؛ فالأصنام جماد لا تفعل، ولكن كانت سبباً لضلال العابدين بها.
مِنِّي
من أهل ديني وعلى منهاجي ومسلكي، لاتصاله بي برباط العقيدة.
رَبِّ
منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة.
إِنَّهُنَّ
إن واسمها، ونون النسوة عائدة على الأصنام لتنزيلها منزلة العاقل لكونها عُبدت.
أَضْلَلْنَ
فعل ماض مبني على السكون ونون النسوة فاعل، والجملة خبر إن.
كَثِيرًا
مفعول به منصوب.
مِّنَ النَّاسِ
متعلق بمحذوف نعت لـ"كثيراً".
فَمَن
الفاء استئنافية، "مَنْ" اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
تَبِعَنِي
فعل ماض مبني في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به.
فَإِنَّهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "إن" واسمها.
مِنِّي
جار ومجرور شبه جملة خبر إن، وجملة "فإنه مني" في محل جزم جواب الشرط.
وَمَنْ عَصَانِي
معطوف على جملة الشرط الأولى.
فَإِنَّكَ
الفاء رابطة، إن واسمها.
غَفُورٌ
خبر أول لإن مرفوع.
رَّحِيمٌ
خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أدب النبوة الفائق في التفويض والمغفرة:
لم يقل إبراهيم: "ومن عصاني فعذبه"، بل كل الحُكم إلى الله مستعطفاً باب المغفرة والرحمة: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ تلطفاً ورجاءً أن يهديهم الله للتوبة قبل الموت، كشأن الأنبياء في رحمتهم بأقوامهم.
إسناد الإضلال للأصنام للتحقير والتحذير:
إسناد الفعل إلى الأصنام تنبيه إلى عظيم الفتنة بالرموز المادية المجردة؛ وكيف تنقاد العقول لجمادات لا تضر ولا تنفع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم استغفار إبراهيم للمشركين المصرين:
قوله {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يعني مغفرة الشرك لمن مات عليه، لأن إبراهيم يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به؛ بل معناه: غفور رحيم لمن تاب ورجع منهم إلى التوحيد قبل حلول الموت، أو هو في المعاصي دون الشرك؛ أو هو تفويض للأمر إلى مشيئة الله كقول عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}.
معاملة غير العاقل معاملة العقلاء في {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ}:
جمعها بضمير الإناث العقلاء (هنّ، أضللن)؛ تصويراً لحال المشركين الذين عاملوها معاملة الكائنات الحية العاقلة فعبدوها وقربوا لها القرابين.
التعبير بـ{فَإِنَّهُ مِنِّي}:
إيجاز بليغ يُفيد كمال القرب والاندماج الروحي؛ فالرابطة الحقيقية بين البشر هي رابطة العقيدة والاتباع لا مجرد النسب المادي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رحمة الداعية بالمدعوين والحرص على هدايتهم:
الداعية الصادق يحمل قلباً رحيماً يفيض شفقة على العصاة، يرجو لهم التوبة والمغفرة ولا يتشوق لإهلاكهم ولعنهم.
أخوة العقيدة تسمو على كل وشيجة:
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}؛ ميزان رباني خالد: قرابتك الحقيقية هي قرابة الصالحين المتبعين لمنهج التوحيد ولو تباعدت الأنساب والبلدان.