الأمر بإقامة الصلاة والإنفاق قبل فوات الأوان:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 575)جامع البيانالطبري١٦/٥٧٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: يأمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين بأعظم أركان الدين العملية: إقامة الصلاة بأركانها وشروطها وخشوعها، وبذل النفقة مما رزقهم الله من الزكاة المفروضة والنفقات المستحبة، سراً وعلانية؛ استباقاً للأجل ومبادرة قبل حلول يوم القيامة الذي تنقطع فيه التجارات والمفاداة والصداقات.
تفسير {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 505)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٥: «أي لا يقبل فيه بيع ولا فدية يفتدي بها الإنسان نفسه من عذاب الله لو ملك ملء الأرض ذهباً، {وَلَا خِلَالٌ}: الخِلال جمع خُلّة وهي الصداقة والمخالّة؛ أي لا صداقة تنفع ولا شفاعة تغني إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]».
مضارع مجزوم في جواب أمر مقدر يفهمه الكلام (أي قل لهم: أقيموا يُقيموا)، أو هو مجزوم بلام أمر محذوفة (ليقيموا)، والواو فاعل.
الصَّلَاةَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
وَيُنفِقُوا
معطوف مجزوم.
مِمَّا
متعلق بـ"ينفقوا".
رَزَقْنَاهُمْ
صلة "ما".
سِرًّا
مفعول مطلق لفعل محذوف أو حال منصوبة.
وَعَلَانِيَةً
معطوف على "سراً".
مِّن قَبْلِ
متعلق بـ"يقيموا" أو بـ"ينفقوا".
أَن يَأْتِيَ
مصدر مؤول في محل جر بالإضافة بعد "قبل".
يَوْمٌ
فاعل يأتي مرفوع بالضمة.
لَّا
نافية للجنس تعمل عمل ليس (أو مهملة).
بَيْعٌ
مبتدأ مرفوع بالضمة (أو اسم لا)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح: {لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خِلَالَ}.
فِيهِ
متعلق بمحذوف خبر.
وَلَا خِلَالٌ
معطوف، وجملة النفي في محل رفع نعت لـ"يوم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقبال الخطاب على المؤمنين بعد تقريع الكافرين:
بعد أن صور حال الكافرين الذين اتخذوا الأنداد وبدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار وتوعدهم بقوله: {قُلْ تَمَتَّعُوا}، تحول الخطاب الإلهي بالرحمة والتوجيه إلى عباد الرحمن: {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا}؛ لتوجيههم إلى النجاة الحقيقية بإقامة الصلاة والإنفاق.
الجمع بين الصلاة والإنفاق:
اقتران الصلاة (حق الخالق وأعظم عبادات البدن) بالإنفاق (حق المخلوق وأعظم عبادات المال)؛ لبيان كمال المنهج الإيماني وتوازنه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع الاتكال على الصداقات أو الوساطات في الآخرة:
قوانين الآخرة مباينة تماماً لقوانين الدنيا؛ ففي الدنيا قد ينجو الإنسان بالمال والفداء (البيع)، أو بالمعارف والأصحاب والشفاعات (الخلال)؛ فنصت الآية على بطلان هذين الطريقين في الآخرة: {لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ}؛ ليعلم العاقل ألا منجاة إلا بالعمل الصالح الشخصي الخالص لله.