إرسال موسى بالآيات البينات والتذكير بأيام الله:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 483)جامع البيانالطبري١٦/٤٨٣ وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} قال: «بنِعَمِ الله وآلائه عليهم، ووقائعه بالأمم المكذبة قبلهم».
وروى ابن عباس ومجاهد وقتادة: «أيام الله: نعماؤه التي أنعم بها عليهم، كإنجائهم من فرعون، وفلق البحر، وظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونقمته بأعدائهم».
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 486)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٦: «أي إن في إنعام الله على أوليائه وقهره لأعدائه لعبرة وعظة لكل عبد صبّار في الضراء والشدائد والمحن، شكور في الرخاء والنعماء والمنح؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (رواه مسلم)».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَيَّامِ اللَّهِ
حوادثه العظام في خلقه؛ واليوم يُطلق ويراد به الوقائع المشهورة، كأيام العرب (يوم ذي قار، يوم حنين).
صَبَّارٍ
صيغة مبالغة على وزن فَعَّال من الصبر؛ كثير الصبر عظيم الثبات في الشدائد.
شَكُورٍ
صيغة مبالغة على وزن فَعُول من الشكر؛ كثير الثناء والاعتراف بالنعمة مستعمل لها في طاعة المنعم.
وَلَقَدْ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق.
أَرْسَلْنَا
فعل ماض وفاعله "نا".
مُوسَىٰ
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة للتعذر.
بِآيَاتِنَا
متعلق بـ"أرسلنا"، و"نا" مضاف إليه.
أَنْ
تفسيرية لا محل لها (أو مصدرية في محل جر بحرف جر محذوف أي بأن أخرج).
أَخْرِجْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
قَوْمَكَ
مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
متعلقان بـ"أخرج".
وَذَكِّرْهُم
معطوف على "أخرج"، والهاء مفعول به والميم للجمع.
بِأَيَّامِ اللَّهِ
متعلق بـ"ذكرهم"، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
إِنَّ
حرف ناسخ مؤكد.
فِي ذَٰلِكَ
جار ومجرور خبر إن مقدم.
لَآيَاتٍ
اللام المزحلقة، "آيات" اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِّكُلِّ
متعلق بمحذوف نعت لـ"آيات".
صَبَّارٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
شَكُورٍ
نعت لـ"صبّار" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط التاريخي بين رسالة محمد ورسالة موسى:
جاء ذكر إرسال موسى تأكيداً للنموذج المذكور في مطلع السورة {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}؛ فموسى كُلف بنفس المهمة النورانية في قومه؛ وفي هذا تسلية للنبي ﷺ بأنك تسير على درب أولي العزم من الرسل، وتطمين بأن الله الذي أنجى قوم موسى سينجي أمتك.
المزاوجة بين الصبر والشكر:
ختم الآية بـ{صَبَّارٍ شَكُورٍ} يُقرر أن مدار الإيمان كله ونصفيه هما: الصبر على الابتلاء، والشكر على النعماء؛ وهما جناحان لا يستقيم طيران المؤمن إلا بهما.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع تخصيص الانتفاع بأيام الله بالمؤمنين:
أيام الله وآياته مبثوثة يراها البر والفاجر؛ فلماذا خص الانتفاع بـ{لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}؟
الجواب: لأن المعرض الجاحد تمر به الحوادث والوقائع فلا يرى فيها إلا تقلبات طبيعية أو صدفاً تاريخية؛ أما صاحب القلب الحي الموصوف بالصبر والشكر فهو وحده الذي يربط الأسباب بمسبباتها ويعتبر بحكمة الله وقضائه فينتفع بالعظة.
الإضافة التشريفية في {بِأَيَّامِ اللَّهِ}:
إضافة "الأيام" إلى اسم الجلالة تشريف للوقائع التي تجلت فيها قدرته ونعمته وبطشه؛ واستحضار التاريخ الإيماني وقود للثبات.
صيغتا المبالغة {صَبَّارٍ شَكُورٍ}:
التنويع بين وزني "فَعَّال" و"فَعُول" يفيد استمرار الوصف ورسوخه في النفس؛ فلا تزعزعه عواصف المحن ولا تبطره سعة الرخاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استثمار التاريخ وفقه الذكرى في البناء التربوي:
تذكير الناس بأيام الله ونعمه الماضية أعظم وسيلة لتحريك مشاعر الامتنان والتوبة واليقين بالنصر في قلوبهم.
جناحا الإيمان: الصبر والشكر:
الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر؛ فإذا نزلت الشدة تسلح العبد بالصبر الجميل، وإذا أقبلت النعمة تسلح بالشكر والثناء، فلا يضطرب في حال.