تفصيل نعم الله على بني إسرائيل بإنجائهم من بطش فرعون:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 487)مصدر غير محدد١٦/٤٨٧ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: امتثل موسى عليه السلام أمر ربه فذكر قومه بنعمة النجاة من فرعون وجنده؛ حيث كانوا يذيقونهم أشد ألوان الهوان والاستعباد والتعذيب: يسخرونهم في أشق الأعمال، ويذبحون مواليدهم من الذكور خشية نبوءة ذهاب ملك فرعون على يد رجل منهم، ويستبقون البنات للخدمة والامتهان؛ فأنقذهم الله وأغرق عدوهم أمام أعينهم.
تفسير {وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 487)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٧: «"البلاء" هنا يحتمل معنيين جليلين كلاهما حق:
أن يكون المراد: وفي ذلك الصنع من فرعون بكم اختبار ومحنة عظيمة من ربكم ليرى صبركم.
أن يكون المراد: وفي إنجائكم من ذلك العذاب نعمة ومنحة عظيمة من ربكم توجب كمال الشكر؛ فالبلاء يُطلق في كلام العرب على النعمة كقوله: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال: 17]، ويُطلق على المحنة كقوله: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسُومُونَكُمْ
يُذيقونكم ويُلزمونكم ويداومون على إيقاع الأذى بكم؛ وسام الإبل: أرسلها في المرعى، وسامه الأمر: كلّفه إياه وداوم عليه.
سُوءَ
أفظع العذاب وأشده نكراً.
يَسْتَحْيُونَ
يستبقون نساءكم على قيد الحياة للمهانة والخدمة.
بَلَاءٌ
اختبار وامتحان؛ إما بالشر للتمحيص وإما بالخير للشكر.
وَإِذْ
الواو استئنافية، "إذ" ظرف لما مضى متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قال.
قَالَ مُوسَىٰ
فعل وفاعل.
لِقَوْمِهِ
متعلق بـ"قال".
اذْكُرُوا
فعل أمر والواو فاعل.
نِعْمَةَ اللَّهِ
مفعول به ومضاف إليه.
عَلَيْكُمْ
متعلق بمحذوف حال من "نعمة".
إِذْ
ظرف زمان بدل من "نعمة" أو متعلق بـ"اذكروا".
أَنجَاكُم
فعل ماض وفاعله مستتر ومفعوله الكاف.
مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ
متعلق بـ"أنجاكم"، وفرعون مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
يَسُومُونَكُمْ
مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل والكاف مفعول به أول، والجملة في محل نصب حال من "آل فرعون".
سُوءَ الْعَذَابِ
مفعول به ثانٍ ومضاف إليه.
وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ
معطوف على يسومونكم، "أبناءكم" مفعول به.
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ
معطوف.
وَفِي ذَٰلِكُم
الواو استئنافية، جار ومجرور خبر مقدم.
بَلَاءٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
مِّن رَّبِّكُمْ
نعت لـ"بلاء".
عَظِيمٌ
نعت ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطبيق فوري لأمر الآية السابقة:
في الآية 5 قال له ربه: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ}؛ فجاءت الآية 6 مباشرة تبين امتثال موسى العملي الصادق: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}؛ وهذا يجسد سرعة استجابة أولي العزم لأمر الله.
التفصيل بعد الإجمال في العذاب:
أجمل أولاً بقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}، ثم فصله بالصورة الحسية الشنيعة: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}؛ ليكون استحضار النعمة بالنجاة أعظم في نفوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استنكار قسوة البلاء ببيان حكمته:
قد يستعظم الإنسان تسليط فرعون على بني إسرائيل، فردت الآية بقوله: {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}؛ لتبين أن هذا الابتلاء صادر عن رب مشفق رحيم؛ فالله يبتلي عباده ليمحصهم، ويذل الطاغية بحين حتى يبلغ أمره مداه فيأخذه أخذ عزيز مقتدر، فكان في ذلك البلاء صقل لأمة موسى وتأهيل لها للتمكين.
المضارع في {يَسُومُونَكُمْ... وَيُذَبِّحُونَ} لاستحضار الصورة:
استعمال الأفعال المضارعة يرسم مشهد التعذيب والتذبيح مستمراً حياً كأنه يقع اللحظة أمام أعين السامعين؛ لتزداد عظمة المنة بالإنقاذ.
البلاغة في المشترك الدلالي للفظ {بَلَاءٌ}:
تسمية الأمر بالبلاء يجمع بين اختبار الصبر في الشدة واختبار الشكر في الرخاء، وهو من أرقى أساليب الإيجاز القرآني الحاوي لمتناقضين في اللفظ الواحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار نعم النجاة يذهب داء النكران:
الإنسان ميال للنسيان والبطر عند الراحة؛ فتذكيره بمواطن ذله القديم وكيف منّ الله عليه بالسلامة يكسر شوكة الكبر في نفسه ويجعله دائم الخضوع لربه.
سقوط عروش الطواغيت حتمية إيمانية:
مهما تجبر المستبد وأمعن في تذبيح الأبرياء واستضعاف الشعوب، فإن الله مخرج المستضعفين وموردهم بحار الهلاك كآل فرعون.