تصوير شرب الصديد وعذاب الموت الدائم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 525)جامع البيانالطبري١٦/٥٢٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {يَتَجَرَّعُهُ}: أي يشربه جرعة بعد جرعة بتكلف شديد وكراهة بالغة؛ يُكره عليه بالسلاسل ومقامع الحديد؛ {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ}: لا يقدر أن يبتلعه لقبحه وحره ونتنه؛ فإذا قُرب منه شوى وجهه، وإذا شربه قطع أمعاءه.
تفسير {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 494)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٤: «أي تأتيه أسباب الموت وآلامه وسكراته من كل موضع في جسده: من شعره وأظفاره وأطرافه وأحشائه وعظامه، كل موضع فيه يوجب الموت لو كان يموت؛ ولكن الله قضى عليه بالخلود فلا يموت فيستريح ولا يخفف عنه العذاب، كما قال تعالى: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]؛ {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}: أي ومن بعد ذلك كله عذاب أشد وأعظم وأثقل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَجَرَّعُهُ
تكلّف شرب الجرعة بعد الجرعة قهراً وقسراً؛ وتفعّل هنا للتكلف والمشقة.
يُسِيغُهُ
الإساغة: سهولة انحدار الشراب في الحلق للذته وعذوبته؛ ولا يسيغه: يغص به ولا يبتلعه إلا بإكراه.
غَلِيظٌ
ثقيل شديد متراكم لا يطاق.
يَتَجَرَّعُهُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال من الضمير في "يُسقى" (أو مستأنفة).
الباء حرف جر زائد للتوكيد، "ميت" خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً.
وَمِن وَرَائِهِ
الواو عاطفة أو استئنافية، خبر مقدم.
عَذَابٌ
مبتدأ مؤخر مرفوع.
غَلِيظٌ
نعت مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المشهد الترهيبي المصور:
تتدرج الآية في تصوير المعاناة تدرجاً مروعاً: تبدأ بالمعاناة الحسية مع الشراب المكروه {يَتَجَرَّعُهُ}، ثم العجز عن بلعه {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ}، ثم تغلغل آلام الموت في كل خلية {مِن كُلِّ مَكَانٍ}، ثم سلب الراحة بالموت {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}، ثم الختام بتهديد أغلظ {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}؛ مما يخلع القلوب ويقطع دابر الطغيان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع التناقض بين إتيان الموت ونفي الموت:
قوله: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ... وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} ليس تناقضاً بل هو غاية في الإعجاز البلاغي؛ فالموت الأول يراد به أسبابه وسكراته وآلامه الشديدة التي من شأنها أن تميت الحي في الدنيا، ونفي الموت الثاني يراد به نفي خروج الروح وانقطاع الإحساس؛ فهو يذوق سكرات الموت باستمرار دون أن يموت؛ وذلك أشد العذاب.
صيغة التكلف في {يَتَجَرَّعُهُ}:
وزن "تفعّل" يجسد الجهد المضني البغيض في إدخال كل قطرة إلى الحلق قطرة إثر قطرة.
نفي المقاربة في {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ}:
استعمال "لا يكاد" ينفي حتى الاقتراب من الإساغة؛ فهو غاص به على الدوام.
التوكيد بالباء الزائدة في {بِمَيِّتٍ}:
تأكيد نفي الموت؛ لإغلاق أي نافذة لأمل الخلاص بالعدم أو الفناء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار أهوال العذاب وقاية من الغفلة:
هذا المشهد القرآني المروع كفيل بأن يوقظ أعتى القلوب قسوة؛ فينبغي للواعظ أن يذكر به للتخويف من مغبة الظلم والتكبر.
عظم نعمة العافية والشراب البارد في الدنيا:
حين يتأمل المؤمن شراب الصديد، يعرف قدر نعمة الله عليه بالماء العذب الزلال، فيلهج بحمد الله وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة.