معنى إيتاء الأكل كل حين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 555)جامع البيانالطبري١٦/٥٥٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير والحسن:
قال ابن عباس: «{كُلَّ حِينٍ}: أي في كل وقت من ليل أو نهار، صيف أو شتاء؛ فالمؤمن لا ينقطع عمله الصالح وصعود كلامه الطيب إلى الله في أي وقت وساعة».
وعن مجاهد وقتادة: «كل حين: كل ستة أشهر أو كل سنة وقت جذاذ النخل وثمرها؛ والمؤمن تثمر طاعاته وبركات إيمانه في كل وقت وحين».
تفسير {بِإِذْنِ رَبِّهَا}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 500)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٠: «أي بمشيئة الله وخلقه وتيسيره ورعايته؛ وكذلك المؤمن لا يصدر عنه العمل الصالح إلا بتوفيق الله ومعونته؛ {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}: أي يتعظون ويعتبرون فيفهمون المعاني الإلهية ويقبلون على الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تُؤْتِي
تعطي وتثمر وتخرج.
أُكُلَهَا
الأُكُل: الثمر وما يؤكل وينتفع به.
كُلَّ حِينٍ
الحين: الوقت والزمان؛ قلّ أو كثر بحسب السياق.
يَتَذَكَّرُونَ
التذكر: استحضار المعرفة الغائبة والاتعاظ بها.
تُؤْتِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل جر نعت ثانٍ لـ"شجرة" (أو حال).
أُكُلَهَا
مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
كُلَّ
ظرف زمان منصوب بالفتحة نائب عن الظرف لإضافته إليه متعلق بـ"تؤتي".
حِينٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
بِإِذْنِ
جار ومجرور في محل نصب حال من فاعل "تؤتي" أو مفعولها.
رَبِّهَا
مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
وَيَضْرِبُ اللَّهُ
الواو استئنافية، فعل مضارع وفاعل مرفوع.
الْأَمْثَالَ
مفعول به منصوب بالفتحة.
لِلنَّاسِ
متعلق بـ"يضرب".
لَعَلَّهُمْ
حرف ناسخ للترجي والتعليل، والهاء اسمها والميم للجمع.
يَتَذَكَّرُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام صفات الشجرة الإيمانية:
بعد أن وصف أصلها بالثبات وفرعها بالسمو في الآية 24، كمل في هذه الآية صفة النفع والإنتاج: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ}؛ لتكتمل أركان الكيان الإيماني: رسوخ الأساس، وعلو الهمة، واستدامة العطاء والنفع.
التعليل بضرب الأمثال للتذكر:
ختم الآية بـ{لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يبين الغاية التربوية من الأمثال القرآنية: إنها وسيلة إيضاح عليا لهداية العقول وتليين القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى انقطاع ثمار العمل الصالح في الدنيا:
ثمار الإيمان لا تقتصر على ثواب الآخرة؛ بل تؤتي أكلها في الدنيا أيضاً: طمأنينة في القلب، وذكراً حسناً، وبركة في الرزق، وأثراً مباركاً في المجتمع؛ فالمؤمن شجرة دائمة الخضرة مستمرة العطاء في الحياتين.
إسناد الإيتاء إلى إذن الرب {بِإِذْنِ رَبِّهَا}:
تذكير أدبي رفيع بأن كل ثمرة ونجاح في حياة المؤمن إنما هو بإذن الله وفضله، لا بحوله وقوته الذاتية؛ مما يقطع دابر العجب والغرور.
الاستعارة في ضرب الأمثال كأداة هداية:
تقريب المعاني المعقولة بالصور المحسوسة من أبلغ أساليب التعليم والتربية القرآنية في استنهاض العقول للتذكر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسلم مبارك أينما كان دائم العطاء:
المؤمن كالنخلة: لا يمر عليه يوم إلا وله فيه عمل صالح أو كلمة طيبة أو نفع يسديه لخلق الله؛ فهو دائم الثمر لا يعرف الجدب.
أهمية توظيف الأمثال في الخطاب الدعوي:
على الداعية والمعلم أن يقتدي بالمنهج القرآني في ضرب الأمثال الواضحة المستمدة من واقع الناس وبيئتهم لتثبيت المفاهيم وتيسير الفهم.