إعلان ميثاق الشكر وقانون الزيادة الرباني:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 490)جامع البيانالطبري١٦/٤٩٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ}: أي آذنكم ربكم وأعلمكم إعلاماً جازماً مؤكداً بقسمه وعهده: {لَئِن شَكَرْتُمْ} نعمي عليكم بإفرادي بالعبادة وطاعتي والاعتراف بفضلي، {لَأَزِيدَنَّكُمْ} من فضلي وخيري ونعمي في الدنيا وثوابي في الآخرة؛ {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} بنعمتي فجحدتموها وعصيتم أمري وصرفتم النعم في مساخطِي، {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} بسلب النعمة وإحلال النقمة وسوء العذاب في دار الخلود.
أثر الشكر في حفظ النعم:
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: «إن الله ليمتّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلبها عذاباً؛ ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ للجالب؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة ويجلب النعم المفقودة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَأَذَّنَ
تفعّل من الأذان وهو الإعلام الصريح القاطع؛ والمعنى: أقسم وأعلم وحكم حكماً لا رجعة فيه.
شَكَرْتُمْ
الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبةً، وعلى جوارحه انقياداً وطاعةً.
كَفَرْتُمْ
الكفر هنا كفران النعمة بجحودها وسترها ومعصية المنعم بها؛ وهو يقابل الشكر.
وَإِذْ
الواو عاطفة، "إذ" ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره واذكر إذ تأذن.
تَأَذَّنَ
فعل ماض مبني على الفتح.
رَبُّكُمْ
فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
لَئِن
اللام موطئة للقسم، "إن" حرف شرط جازم.
شَكَرْتُمْ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
لَأَزِيدَنَّكُمْ
اللام واقعة في جواب القسم، "أزيدن" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف (أي لأزيدنكم من فضلي)، وجواب القسم أغنى عن جواب الشرط.
وَلَئِن كَفَرْتُمْ
معطوف على جملة الشرط الأولى.
إِنَّ عَذَابِي
حرف ناسخ، "عذابي" اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
لَشَدِيدٌ
اللام المزحلقة، "شديد" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة "إن عذابي لشديد" سدت مسد جواب القسم والشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التعقيب بعد تذكيرهم بنعمة النجاة:
لما ذكرهم موسى بنعمة النجاة من آل فرعون في الآية السابقة، أردفها بهذه القاعدة الكلية العظمى؛ ليعلموا أن استدامة هذه النجاة وحفظ هذه النعمة من الزوال معلقان بشرط لا يتخلف وهو دوام شكر الله.
العدول البلاغي في مقابلة الكفران:
في جانب الشكر قال بصيغة الفعل الصريح المؤكد: {لَأَزِيدَنَّكُمْ} كرم وفضل؛ ولم يقل في جانب الكفر: "لأعذبنكم"، بل عدل إلى قوله: {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}؛ ليفيد أن رحمته وفضله يفيضان ابتداءً، وأن العذاب إنما يقع لشدته واستحقاق الكافرين له، وفيه إمهال وفرصة للمراجعة والتوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم استغناء العبد أو كفاية العمل المجرد:
الزيادة هنا ليست مجرد مكافأة مادية تلقائية، بل هي سنة ربانية قائمة على ربط المخلوق بخالقه؛ فالمعطي هو الله، وشكر العبد اعتراف بحقيقة العبودية؛ فمن زعم أنه ينال الزيادة بحذقه وذكائه كقارون حلت به سنة الكفران وانقلبت عليه النعم دماراً.
صيغة {تَأَذَّنَ} الدالة على عظمة الإيذان:
وزن "تفعّل" يقتضي مبالغة في الإعلام وصرامة في الإعلان؛ كأنه نداء موجه للكون كله بأن هذه قاعدة الوجود التي لا تبديل لها.
توكيد الوعد باللام ونون التوكيد:
{لَأَزِيدَنَّكُمْ} اجتمع فيه القسم واللام والنون الثقيلة؛ وهو أعلى درجات التوكيد اللغوي لطمأنة الشاكرين بثبات الزيادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيد النعم وباب المزيد:
الشكر قيد النعم الحاضرة، وصيد النعم الغائبة؛ فمن أراد دوام عافيته وماله وأمنه وهدايته فليلهج قلبه ولسانه وجوارحه بشكر واهب النعم.
الحذر من استدراج النعم:
إذا رأى العبد نعم الله تتوالى عليه وهو مقيم على معصيته فليحذر، فإنما ذلك استدراج؛ لأن كفران النعم مؤذن ببطش شديد.