الاستدلال بالخلق الأول على القدرة المطلقة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 531)جامع البيانالطبري١٦/٥٣١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يوجه الله خطابه للرسول ﷺ وللناس كافة: ألم تنظر بعين بصيرتك وعقلك فتعلم أن الله تعالى ابتدع السماوات والأرض بالحق والعدل والحكمة، ولم يخلقهما عبثاً ولا باطلاً؛ والذي قدر على خلق هذه الأجرام العظيمة قادر بلا شك على إفنائكم وإهلاككم متى شاء، والإتيان بخلق آخر غيركم يطيعونه ولا يعصونه.
تفسير {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 496)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٦: «أي إن شاء أذهبكم أيها الناس المكذبون وأفناكم وأبادكم، وجاء بقوم آخرين يعبدونه وحده ولا يشركون به شيئاً، كما قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133]، وكقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِالْحَقِّ
الباء للملابسة؛ أي ملتبساً بالحق والحكمة والعدل والغايات الشريفة، لا للهو والعبث.
جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول، والمصدر المؤول من أن وما بعدها سد مسد مفعولي "تر".
إِن
حرف شرط جازم.
يَشَأْ
مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر.
يُذْهِبْكُمْ
مضارع مجزوم جواب الشرط، والكاف مفعول به والميم للجمع.
وَيَأْتِ
معطوف على "يذهبكم" مجزوم بحذف حرف العلة (الياء).
بِخَلْقٍ
متعلق بـ"يأت".
جَدِيدٍ
نعت لـ"خلق" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الدليل الكوني على حتمية الجزاء:
لما ذكر أعمال الكفار وحبوطها وعذابهم في الآخرة، استدل على ذلك بالأصل الأكبر: خلق السماوات والأرض بالحق؛ فالذي بنى هذا الكون المحكم بالحق لا يمكن أن يسوي بين المحسن والمسيء، ولا يعجزه أن يعيد الخلق أو يستبدل قوماً بآخرين.
الربط بين الخلق بالحق والقدرة على الاستبدال:
خلق الكون بالحق يقتضي ألا يبقى المفسدون فيه إلى الأبد؛ فإذا استمر كفرهم كان من مقتضى الحق إفناؤهم واستبدالهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عجز الخالق عن إعادة البعث أو الاستبدال:
البرهان المنطقي واضح جلي: خلق السماوات والأرض أعظم وأوسع من خلق الإنسان بإجماع العقول؛ فالقادر على العظيم المتسع لا يعجزه الصغير المحقور؛ ومن ثم تسقط كل شكوك الكفار في البعث أو في استحقاقهم للاستبدال.
الرؤية القلبية في {أَلَمْ تَرَ}:
تعدت "تر" إلى "أن" وما بعدها لأن الرؤية هنا علمية يقينية قلبية تشبه الرؤية العيانية في وضوحها وقطعية ثبوتها.
التنكير في {بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}:
يفيد التعظيم وإطلاق القدرة؛ أي خلق مبتكر طائع جديد كلياً لا يماثلكم في التكذيب والعصيان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستبدال سنة ربانية لا تحابي أحداً:
تحذير للأمم والجماعات والأفراد من الغرور؛ فالله لا تعوزه البدائل، وإذا تخلى العبد عن نصرة الدين استبدل الله به من هو خير منه وأقوم قيلاً.
الكون قائم على الحق والجدية:
إذا كان هذا الكون الهائل مخلوقاً بالحق، فينبغي للمؤمن أن يعيش حياته بجدية وحق، بعيداً عن العبث والباطل والغفلة.