حكمة إرسال الرسل بألسنة أقوامهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 480)مصدر غير محدد١٦/٤٨٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: من تمام رحمة الله ولطفه بخلقه وعدله في إقامة الحجة عليهم أنه لم يبعث نبياً قط إلا ناطقاً بلغة القوم الذين بُعث فيهم أولاً؛ ليفهموا عنه ما يأمرهم به وينهاهم عنه بياناً واضحاً شافياً لا لبس فيه ولا غموض.
عموم رسالة النبي ﷺ مع نزول القرآن بالعربية:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 485)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٨٥: «هذا عام في جميع الأنبياء المتقدمين، وكان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة، وأما نبينا محمد ﷺ فإنه بُعث إلى سائر الثقلين: الإنس والجن، عربهم وعجمهم؛ ولكن نزل القرآن بلسان قومه العرب لأنهم الأصل والمبتدأ، ثم وجب عليهم وعلى من سمع به من سائر الأمم أن يبلغوه ويتعلموا معانيه، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]».
طلاقة المشيئة الإلهية في الإضلال والهداية:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص466)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٦: «{فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ}: بعد قيام الحجة وظهور البيان، يخذل من علم أنه لا يطلب الحق ويحب الباطل؛ {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}: يوفق من أقبل على ربه وأناب إليه؛ {وَهُوَ الْعَزِيزُ}: الذي لا يُعجزه شيء وقهر كل موجود؛ {الْحَكِيمُ}: الذي يضع الهداية والإضلال في مواضعهما اللائقة بعدله وحكمته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِلِسَانِ
اللسان يطلق على اللغة المنطوقة ولهجة الكلام.
لِيُبَيِّنَ
البيان إيضاح المعنى وكشف اللبس وإسقاط الشبهات.
الْعَزِيزُ
القاهر الغالب في قدرته ومشيئته.
الْحَكِيمُ
المتقن لأفعاله وتصريفه الواضع لكل شيء موضعه.
وَمَا
الواو استئنافية، "ما" نافية.
أَرْسَلْنَا
فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
مِن
حرف جر زائد لاستغراق النفي وتأكيده.
رَّسُولٍ
مفعول به مجرور لفظاً منصوب محلاً.
إِلَّا
أداة استثناء مفرغ وحصر.
بِلِسَانِ
جار ومجرور في محل نصب حال من "رسول" (أي إلا ملتبساً وناطقاً بلسان قومه).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة أي شبهة في غموض الدعوة:
بعد أن بيّن في الآية 1 إنزال الكتاب لإخراج الناس من الظلمات، أوضحت هذه الآية أن الوسيلة اللغوية والبيانية بلغت أعلى درجات الوضوح والكمال؛ فالنبي يكلمهم بلغتهم ويبين لهم تفاصيل الشريعة، فلم يبق لهم عذر في التكذيب.
الاقتران بين العزة والحكمة في ختام الآية:
ختم الآية بـ{الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} بعد ذكر الإضلال والهداية؛ ليدل على أن إضلاله وهدايته ليسا جبروتاً مجرداً عن الحكمة، بل هما صادران عن عزة قاهرة مقترنة بكمال الحكمة والعدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى اقتصار رسالة النبي ﷺ على العرب:
احتج بعض المستشرقين بالآية لزعم أن رسالة محمد خاصة بالعرب لقوله: {إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}؛
والرد المحكم: أن الآية تقرر سنة في لغة الوحي وتلقيه الأول، فالرسول يبدأ بقومه وبلسانهم ليبين لهم وتفهمه الحاضنة الأولى، ثم كلفهم الله بنشر الرسالة إلى العالمين؛ ونصوص القرآن المتواترة قاطعة في عالمية رسالته لجميع البشر: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28].
أسلوب الحصر المزدوج:
النفي بـ"ما" والاستثناء بـ"إلا" مع زيادة "من" الاستغراقية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}؛ تقرير لقانون إلهي ثابت مطرد في كل الرسالات بلا شذوذ.
الفاء السببية في {فَيُضِلُّ}:
تفيد ترتب الإضلال والهداية بعد وضوح البيان؛ فمن أعرض بعد وضوح اللغة سقط في الضلال بعدل الله، ومن أقبل وفقه الله لهدايته برحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
واجب الداعية في تيسير الخطاب ومخاطبة الناس بما يفهمون:
الآية أصل عظيم في فقه الخطاب الدعوي: خاطب الناس بلغتهم واصطلاحاتهم وأساليبهم؛ فغموض الطرح واستعمال الألفاظ المعقدة جناية على البيان الرباني.
التوازن بين السعي والافتقار للمشيئة:
الداعية يبين بأقصى طاقته {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}، ولكنه لا يتعلق بقدرته، بل يسلّم بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}.