مشهد البروز للحساب وحوار التابعين والمتبوعين:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 535)جامع البيانالطبري١٦/٥٣٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا}: أي خرجت الخلائق كلها من قبورهم وظهروا في صعيد واحد مستوٍ لا يخفى منهم على الله خافية؛ فيتوجه الأتباع الضعفاء الذين قلدوا سادتهم في الكفر إلى الرؤساء والمستكبرين قائلين بحسرة: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا}: اتبعناكم وأطعناكم في معصية الله وتكذيب الرسل؛ {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}: فهل تدفعون عنا اليوم قدراً يسيراً من عذاب جهنم كما كنتم تعدوننا في الدنيا؟!
جواب السادة المستكبرين العاجز:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 497)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٧: «{قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}: أي ولكن سبق علينا وعليكم الشقاء وحق القول، فلم نكن مهتدين لنهديكم؛ {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}: أي استوى عندنا إظهار الجزع أو ملازمة الصبر؛ فليس لنا مهرب ولا مفر ولا منجى من بأس الله وعذابه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَرَزُوا
البروز: الخروج إلى البراز وهو المكان الفسيح الظاهر؛ وبرزوا: صاروا مكشوفين ظاهرين لا يستترون بشيء.
تَبَعًا
جمع تابع (كخَدَم لخادم)، أو مصدر وُصف به مبالغة؛ أي منقادين ومقلدين.
مُّغْنُونَ
اسم فاعل من أغنى؛ أي دافعون وحاملون عنا شيئاً من العذاب.
مَّحِيصٍ
مصدر ميمي أو اسم مكان من حاص يحيص حيصاً ومحيصاً؛ المفر والمهرب والمعدل.
وَبَرَزُوا
الواو استئنافية، فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
لِلَّهِ
متعلق بـ"برزوا".
جَمِيعًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
فَقَالَ الضُّعَفَاءُ
فعل وفاعل.
لِلَّذِينَ
متعلق بـ"قال".
اسْتَكْبَرُوا
صلة الموصول.
إِنَّا
إن واسمها.
كُنَّا
فعل ماض ناسخ واسمه.
لَكُمْ
متعلق بـ"تبعاً".
تَبَعًا
خبر كان منصوب بالفتحة، وجملة "كنا لكم تبعاً" خبر إن، ومقول القول في محل نصب.
فَهَلْ
الفاء عاطفة تفريعية، "هل" حرف استفهام للالتماس والتحسر.
أَنتُم
مبتدأ.
مُّغْنُونَ
خبر مرفوع بالواو.
عَنَّا
متعلق بـ"مغنون".
مِنْ عَذَابِ
متعلق بـ"مغنون".
مِن شَيْءٍ
"من" زائدة لاستغراق النفي في موضع نصب مفعول به لـ"مغنون" (أو تمييز).
قَالُوا
فعل وفاعل.
لَوْ
حرف شرط غير جازم.
هَدَانَا اللَّهُ
فعل ومفعوله وفاعله.
لَهَدَيْنَاكُمْ
اللام رابطة لجواب لو، فعل وفاعل ومفعول، والجواب لا محل له.
سَوَاءٌ
خبر مقدم مرفوع بالضمة.
عَلَيْنَا
متعلق بـ"سواء".
أَجَزِعْنَا
الهمزة للتسوية، "جزعنا" فعل وفاعل، والهمزة وما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر (أي جزعنا وصبرنا متساويان).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط صنم التبعية العمياء للزعامات:
الآية تكشف مشهد الإفلاس المشترك بين القادة والأتباع؛ حيث تتبخر وعود الرؤساء والزعماء ويتحول الاستكبار إلى ذل مطلق وعجز تام عن دفع مثقال ذرة من العذاب.
التسوية الفاصلة {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}:
ختم المشهد بإقرار الطرفين بانعدام أي مهرب؛ لتنقطع كل حيلة ويستقر اليأس القاتل في قلوب الجميع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع معذرة التابعين بالجهل أو طاعة السادة:
سؤال الضعفاء في النار واعترافهم {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} يبرهن على أن التقليد الأعمى ليس عذراً ينجي من عذاب الله؛ فالله وهب كل إنسان عقلاً وسمعاً وبصراً وأرسل الرسل بالحجج؛ فمن ألغى عقله وسلم قياده للمستكبرين شاركهم في الجرم والعقاب.
التعبير بالماضي في {وَبَرَزُوا} لتحقق الوقوع:
استعمال الفعل الماضي لأحداث القيامة المستقبلية يفيد قطعية الحدوث وثبوته كأنه وقع وانتهى.
زيادة "من" في {مِن مَّحِيصٍ} و{مِن شَيْءٍ}:
تفيد استغراق النفي وشموله؛ فلا يملكون دفع أدنى ذرة من العذاب، ولا يجدون أدنى مفر أو مهرب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير الصارم من التبعية العمياء:
درس تربوي واجتماعي للمستضعفين والدهماء: إياكم والانسياق وراء دعاة الضلالة والفساد؛ فلن يغنوا عنكم من الله شيئاً يوم تبدو السرائر.
عظمة نعمة الاستقلال الفكري والإيماني:
المؤمن يتبع الحق بالدليل والبرهان، ولا يربط دينه بأشخاص قد يضلون فيردوه معهم المهالك.