التذكير بمصائر الأمم السابقة وإحاطة علم الله بهم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 496)جامع البيانالطبري١٦/٤٩٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: هذا استئناف خطاب لأمة محمد ﷺ، أو من تمام كلام موسى لقومه، يذكرهم بأخبار الهالكين قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود؛ {وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ}: لكثرة عددهم وتطاول أزمانهم واندثار آثارهم، لا يحيط بعددهم وتفاصيل أمورهم إلا علام الغيوب؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية: «كذب النسّابون؛ لا يعلمهم إلا الله».
تفسير {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} في أقوال السلف:
اختلف أئمة التفسير في معنى هذا التركيب البليغ على أوجه جامعة:
القول الأول (عض الأنامل غيظاً): عضوا أيديهم على أفواههم من شدة الغيظ والحنق على ما جاءت به الرسل، كقوله تعالى: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119]؛ وهو قول ابن مسعود وابن عباس في رواية.
القول الثاني (الإشارة بالأيدي للتسكيت والتكذيب): أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل يريدون إسكاتهم قائلين: اسكتوا لا نسمع منكم؛ أو وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم استهزاءً وضحكاً؛ وهو قول قتادة ومجاهد.
القول الثالث (رد القول في أفواه الرسل): ردوا كلام الرسل في أفواههم ولم يقبلوه، وجعلوا الأيدي هنا مجازاً عن القول والرد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَبَأُ
الخبر العظيم ذو الشأن البالغ الذي يلزم الاعتبار به.
الْبَيِّنَاتِ
الحجج الساطعة والمعجزات القاطعة الظاهرة.
مُرِيبٍ
اسم فاعل من أراب يُريب إرابة؛ وهو الشك المقلق الذي يوقع في الريبة والاضطراب.
أَلَمْ
الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، "لم" حرف نفي وجزم وقلب.
يَأْتِكُمْ
مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والكاف مفعول به والميم للجمع.
نَبَأُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِينَ
مضاف إليه.
مِن قَبْلِكُمْ
متعلق بمحذوف صلة الموصول.
قَوْمِ
بدل من الموصول مجرور بالكسرة.
نُوحٍ
مضاف إليه مجرور.
وَعَادٍ وَثَمُودَ
معطوفان، وثمود ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (أو منصرف على إرادة الحي).
وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ
معطوف وصلته.
لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ
جملة اعتراضية لا محل لها، "لا" نافية، "يعلمهم" مضارع ومفعول به، "إلا" أداة حصر، لفظ الجلالة فاعل مؤخر.
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم
فعل ماض ومفعوله وفاعله، والجملة مستأنفة مفسرة للنبأ.
بِالْبَيِّنَاتِ
متعلق بـ"جاءتهم".
فَرَدُّوا
الفاء عاطفة، "ردوا" فعل ماض والواو فاعل.
أَيْدِيَهُمْ
مفعول به منصوب.
فِي أَفْوَاهِهِمْ
جار ومجرور في موضع المفعول الثاني أو متعلق بـ"ردوا".
وَقَالُوا
معطوف.
إِنَّا كَفَرْنَا
إن واسمها، وجملة كفرنا خبرها، ومقول القول في محل نصب.
بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ
متعلق بـ"كفرنا".
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ
إن واسمها واللام المزحلقة وشبه الجملة خبرها.
مِّمَّا
متعلق بنعت لـ"شك".
تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ
صلة "ما".
مُرِيبٍ
نعت لـ"شك" مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسناد البيان إلى رصيد التاريخ الإنساني:
بعد أن قرر في الآيات السابقة غنى الله وسنة الرسل في البلاغ بلسان القوم، نقل الخطاب إلى شواهد التاريخ الحية: كيف واجهت الأمم السابقة رسلها بالإنكار والشك المريب، وكيف كان مصيرهم الهلاك؛ ليكون في ذلك ردع لكفار قريش ومواساة للنبي ﷺ.
تدرج المكذبين من الصدود الحسي إلى الإنكار القولي:
بدأوا بالفعل الحسي العنيف {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} غيظاً واستهزاءً، ثم صرّحوا بالجحود المطلق {إِنَّا كَفَرْنَا}، ثم عللوا كفرهم بالشك المريب؛ وهو تسلسل يبرز عتوّهم واستحكام عنادهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع التذرع بالشك لرد البينات:
ادعى الكفار أنهم في "شك مريب" مما تدعوهم إليه الرسل، كأن الشك عذر يبيح الرد؛ فردت الآية بأن دعوى الشك مع وجود "البينات" القاطعة إنما هو شك مفتعل صادر عن هوى وعناد، وليس شك الباحث المنصف عن الحقيقة؛ فالشك إذا قامت البينات صار جحوداً ومكابرة لا يُعذر صاحبها.
التصوير الحركي البليغ في {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}:
رسم مشهد الغيظ والرفض في صورة حسية مجسمة تكاد تنبض بالحركة؛ وهو من خصائص الإعجاز البياني في القرآن في تجسيد المعاني النفسية في هيئات مادية مشهودة.
التأكيد بمؤكدات متعددة في كلام الكفار:
{إِنَّا كَفَرْنَا... وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ... مُرِيبٍ}؛ دلالة على استماتتهم في التمسك بالباطل ومحاولة تغطية ضعف حجتهم برفع نبرة التوكيد والإنكار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معرفة سنن المعاندين تحمي الداعية من الصدمة:
حين يعلم الداعية أن نوحاً وعاداً وثمود واجهوا الرسل بهذا التكذيب الفج والشك المريب، يثبت قلبه ولا ينهزم نفسياً أمام رفض المعاندين في حاضره.
خطورة الشك المريب في العقائد:
الشك المريب مرض قلبي خطير يمنع صاحبه من رؤية أسطع الأدلة؛ وعلاجه التجرد وصدق الإنابة والبحث المتواضع عن النور.