تفسير دار البوار بجهنم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 571)جامع البيانالطبري١٦/٥٧١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يفسر تعالى دار البوار المذكورة في الآية السابقة بأنها جهنم؛ {يَصْلَوْنَهَا}: أي يدخلونها ويغمرهم لهيبها ويقاسون حرها وسمومها؛ {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}: بئس المستقر والمقام مأواهم؛ لأنها دار عذاب مقيم دائم لا موت فيه ولا راحة.
تفسير {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 504)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٤: «{جَهَنَّمَ}: عطف بيان أو بدل من دار البوار؛ {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}: أي وبئس المنزل والمستقر والمهاد ذلك المكان، كما قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَصْلَوْنَهَا
الصَّلَى: مقاساة حر النار ومباشرة لهيبها باحتراق؛ وصلي النار يصلاها صلياً: دخلها وقاسى حرها.
الْقَرَارُ
المستقر والمقام الذي يستقر فيه الإنسان ويسكنه.
جَهَنَّمَ
عطف بيان لـ"دار البوار" منصوب بالفتحة (أو بدل، أو مفعول به لفعل محذوف يفسره يصلونها على الاشتغال، أو مفعول به مقدم لـ"يصلونها").
يَصْلَوْنَهَا
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة حالية أو مستأنفة.
وَبِئْسَ
الواو استئنافية، "بئس" فعل ماض جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البيان بعد الإبهام:
أبهم أولاً بوصف {دَارَ الْبَوَارِ} في الآية 28 لتشويق النفس وتهويل الأمر، ثم كشف الغطاء صراحة بقوله: {جَهَنَّمَ} ليكون أوقع في الزجر والترهيب.
المقابلة مع نفي القرار في مثل الكلمة الخبيثة:
في الآية 26 قال عن شجرة الكفر: {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}؛ وهنا قال عن مآل أصحابها: {وَبِئْسَ الْقَرَارُ}؛ جناس اشتقاقي بديع يربط بين انعدام القرار الفكري والنفسي في الدنيا، وسوء القرار والخلود في النار في الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استغراب تخليد المعاند في جهنم:
القرار في جهنم وبئس القرار هو الاستحقاق العادل لمن بدّل نعمة الله كفراً وجر أمماً وشعوباً إلى الضلال؛ فالجرم المتعدي المستمر في إفساد الأجيال يقتضي جزاءً مستقراً لا انقطاع له بمقتضى العدل الإلهي.
تقديم المفعول {جَهَنَّمَ}:
تقديمه لإبراز هول المفاجأة وشدة الترويع، فالاسم نفسه كفيل بخلع القلوب.
أسلوب الذم الصريح بـ{بِئْسَ الْقَرَارُ}:
ذم جامع لكل صور النقص والشناعة؛ فليس في جهنم أدنى شائبة راحة أو استقرار نفسي، بل هو قرار إهانة وعذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مصير أعداء الحق للتثبيت:
المؤمن المضطهد في الدنيا يجد في تذكر {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ} تسلية وثقة بأن بطش الظالمين زائل وأن مصيرهم إلى شر مستقر.
الفرار من كل طريق يفضي إلى سوء القرار:
ذكر جهنم يدعو المؤمن إلى فحص مسالك حياته والتوبة من كل معصية قبل أن يُغلق عليه باب القرار المهين.