سعة العطاء الإلهي وعجز البشر عن إحصاء النعم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 584)جامع البيانالطبري١٦/٥٨٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}: أي أعطاكم الله من كل ما تحتاجون إليه في معايشكم ومصالحكم؛ مما سألتموه بلسان مقالكم ومما اقتضته حاجتكم بلسان حالكم وفطرتكم من المأكل والمشرب والملبس والعافية؛ {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}: أي لو جهدتم وتواطأتم على حصر وتعديد نعم الله عليكم الظاهرة والباطنة لعجزتم عن ذلك؛ لكثرتها وتجددها وعدم تناهيها.
تفسير {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 508)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٨: «{لَظَلُومٌ}: كثير الظلم لنفسه بالمعاصي وتفويت الشكر والتقصير في الواجبات؛ {كَفَّارٌ}: كثير الجحود لنعم ربه وكفرانه لآلائه؛ إلا من عصمه الله بالإيمان وثبته بالقول الثابت فشكر وصبر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَأَلْتُمُوهُ
السؤال: إما بلسان المقال بالدعاء والطلب، أو بلسان الاستعداد والحاجة الفطرية (لسان الحال).
لَا تُحْصُوهَا
الإحصاء: الحصر والعد الدقيق المحيط المستقصي؛ وأصله من الحَصَى؛ لأن العرب كانوا يعدون بالحجارة والحصى إذا كثر الشيء.
لَظَلُومٌ
صيغة مبالغة على وزن فَعُول من الظلم؛ شديد الظلم متكرر الوقوع فيه.
كَفَّارٌ
صيغة مبالغة على وزن فَعَّال من الكفر؛ كثير الجحود للنعمة.
وَآتَاكُم
الواو عاطفة، "آتى" فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
مِّن كُلِّ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ"آتاكم" و"من" للتبعيض (أو زائدة).
مَا
اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
سَأَلْتُمُوهُ
فعل وفاعل ومفعول به، والصلة لا محل لها.
وَإِن
الواو استئنافية، "إن" حرف شرط جازم.
تَعُدُّوا
مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل.
نِعْمَتَ
مفعول به منصوب بالفتحة، كُتبت بالتاء المفتوحة في الرسم العثماني، والمراد بها الجنس الصالح للجمع.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه.
لَا
نافية.
تُحْصُوهَا
مضارع مجزوم جواب الشرط بحذف النون (أو مرفوع والجملة في محل جزم الجواب)، والواو فاعل والهاء مفعول به.
إِنَّ
حرف ناسخ مؤكد.
الْإِنسَانَ
اسم إن منصوب بالفتحة (والمراد به جنس الإنسان الكافر أو الإنسان من حيث هو إلا من زكاه الله).
لَظَلُومٌ
اللام المزحلقة، "ظلوم" خبر أول لإن مرفوع بالضمة.
كَفَّارٌ
خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الخاتمة الكلية لمشهد تعداد النعم:
بعد أن فصّل النعم في السماء والأرض والمطر والثمار والفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار في الآيتين 32 و33، ختم هذا العرض الإلهي بقاعدة كلية قاطعة: نعم الله لا تحيط بها الحسابات البشرية؛ فالمعروض إنما هو غيض من فيض.
المقابلة الصارخة بين كمال الإنعام وخسة الجحود:
مقابلة بين فيض العطاء الإلهي غير المحصى، وبين استجابة الإنسان القاصرة بـ{ظَلُومٌ كَفَّارٌ}؛ لتنكشف المقارنة عن عظم حلم الله وكرمه ولؤم الجحود الإنساني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع دعوى حصر نعم الله بالعد التراكمي:
بيّنت الآية قاعدة علمية عقلية: النعمة الواحدة في باطنها آلاف النعم التي لا يحصيها العبد؛ فالنَفَس الواحد فيه نعمة إدخال الهواء، ونعمة إخراجه، ونعمة انتفاع الرئة به، ودفع سمومه؛ فلو عاش العبد عمر نوح يسجد لله ما أدى شكر نعمة واحدة من نعم أجهزته الحيوية، فكيف بما وراء ذلك من آلاء؟!
التعبير بلفظ المفرد {نِعْمَتَ} وإرادة الجنس:
إفراد "نعمة" للدلالة على أن النعمة الواحدة تشتمل على ما لا يحصى من التفاصيل؛ فإذا عجزتم عن إحصاء جنس النعمة فأنتم عن إحصاء جميع النعم أشد عجزاً.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار التقصير والعجز عن الشكر التام:
العارف بربه يرى نعم الله تحيط به من كل جانب، فيعلم أنه عاجز عن استيفاء الشكر؛ فيكون شكره بالاعتراف بالعجز والاستغفار الدائم.
التواضع والفرار من صفات الظلم والكفران:
الآية نذير يوقظ المؤمن: إياك أن تتصف بوصف هذا الإنسان الظلوم الكفار؛ بل كن عبداً صبّاراً شكوراً ممتناً لفضل ربك.