وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
إسكان إسماعيل وهاجر في وادي مكة القفر:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (حديث رقم 3364)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٦٤ مطولاً عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها الرضيع إسماعيل في مكة؛ حيث لم يكن بمكة يومئذ أحد ولم يكن بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا! ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ...}.
تفسير {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير قالوا: «لو قال إبراهيم: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لزاحمتهم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم؛ ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ} فخص به أهل الإيمان والإسلام؛ و"تهوي إليهم": تحن وتشتاق وتنزع قلوبهم إلى زيارة البيت الحرام والطواف به وسكنى حماه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
الوادي: منفرج بين جبال؛ ومكة وادٍ محاط بالجبال الصخرية الجرداء القاحلة التي لا نبات فيها ولا ماء.
الْمُحَرَّمِ
الممنوع المعظم المحترم الذي حرم الله انتهاكه وعظمه أزلاً.
أَفْئِدَةً
جمع فؤاد؛ وهو القلب المشتعل بالمحبة والشوق.
تَهْوِي
من هَوِيَ يهوى هَوىً (بالكسر): أحب واشتاق وتعلّق؛ أو من هَوَى يَهْوِي هُوِيّاً (بالفتح): أسرع وانحدر وسقط شوقاً وسرعة.
ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف نعت لـ"واد" (أو متعلق بأسكنت).
بَيْتِكَ
مضاف إليه والكاف مضاف إليه.
الْمُحَرَّمِ
نعت لـ"بيتك" مجرور بالكسرة.
رَبَّنَا
منادى ثانٍ كرر تضرعاً وإلحاحاً.
لِيُقِيمُوا
اللام للتعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة، والمصدر المؤول متعلق بـ"أسكنت" (أي علة إسكانهم إقامة الصلاة).
الصَّلَاةَ
مفعول به منصوب.
فَاجْعَلْ
الفاء عاطفة تفريعية، فعل دعاء مبني على السكون.
أَفْئِدَةً
مفعول به أول منصوب بالفتحة.
مِّنَ النَّاسِ
نعت لـ"أفئدة" و"من" للتبعيض.
تَهْوِي
مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ"اجعل".
إِلَيْهِمْ
متعلق بـ"تهوي".
وَارْزُقْهُم
معطوف ومفعوله.
مِّنَ الثَّمَرَاتِ
متعلق بـ"ارزقهم".
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
لعل واسمها وجملة خبرها، تعليل للغاية المرجوة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم الغاية الدينية على المطالب الدنيوية:
رتّب إبراهيم دعاءه بترتيب رباني عبقري:
بيان الواقع المجرد: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.
تحديد الغاية الكبرى العقدية: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}.
طلب المحبة والاجتماع البشري: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}.
طلب الرزق المادي: {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ}.
تعليل الرزق بالشكر: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}؛ فجعل الدنيا خادمة للدين، والرزق وسيلة للشكر، لا غاية مستقلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع معارضة التوكل للتضرع وطلب الرزق:
إبراهيم ترك أهله امتثالاً لأمر الله في صحراء قاحلة في ذروة التوكل، ولكنه لم يدع التضرع وسؤال الرزق والبركة؛ ليعلم المؤمنون أن التوكل القلبي لا ينافي سؤال الأسباب والدعاء بها؛ بل الدعاء من صميم التوكل والعبودية.
التعبير بـ{أَفْئِدَةً} دون الأجساد:
طلب أن تهوي "الأفئدة" والقلوب؛ لأن مجيء الجسد بلا قلب سياحة فارغة، أما مجيء القلوب والافئدة فهو الحج المبرور والشوق الصادق الذي تفيض معه الدموع محبة وإجلالاً للبيت وأهله.
تعدية {تَهْوِي} بـ"إلى":
الفعل "تهوي" إن كان من الهَوَى عُدّي بـ"إلى" لتضمنه معنى تميل وتنزع وتشتاق وتسرع إليهم؛ فهو يجمع بين سرعة الإقبال وعمق المحبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصلاة عماد بناء الأوطان والبيوت المباركة:
إسكان الأسرة في وادٍ قفر عُلل بـ{لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}؛ فالمؤمن يؤسس بيته ويبني أسرته على إقامة الصلاة أولاً، ومن أقام الصلاة أصلح الله له معاشه وألقى محبته في قلوب الخلق.
معجزة استجابة دعوة الخليل عبر العصور:
منذ أطلق إبراهيم هذا الدعاء وإلى قيام الساعة، وملايين القلوب من شتى بقاع الأرض تهوي وتشتاق لمكة والبيت الحرام، وتُجبى إليها ثمرات الأرض قاطبة مصداقاً لوحي الله الحق.