خطبة إبليس اللعينة في جهنم وتبرؤه من أتباعه:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 540)جامع البيانالطبري١٦/٥٤٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي: «يقوم إبليس لعنه الله خطيباً في أهل النار على منبر من نار بعد أن يقضي الله الأمر ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فيحيط بهم الغم والندم، فيقول خطبته الفاضحة: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} على ألسنة رسله بالبعث والجزاء فصدقكم وعده، {وَوَعَدتُّكُمْ} الأماني الكاذبة والأباطيل {فَأَخْلَفْتُكُمْ}؛ {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ}: لم يكن لي عليكم حجة ولا قهر ولا إكراه أُجبركم به، وإنما وسوست وزينت فاستجبتم لي بمحض اختياركم، {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم} إذ فرطتم في أمر ربكم واتبعتموني بلا برهان».
تفسير {مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 498)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٨: «المصرخ: المغيث والمنقذ الذي يجيب الصارخ المستغيث؛ أي: لست بنافعكم ولا منقذكم من عذاب الله، ولا أنتم بقادرين على إنقاذي وتخليصي مما أنا فيه، {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}: تبرأت من إشراككم لي وطاعتكم لي مع الله في دار الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قُضِيَ الْأَمْرُ
فُصل بين الخلائق واستقر أهل كل دار في دارهم.
سُلْطَانٍ
قهر وجبر وحجة قاطعة تجبر على الإذعان.
بِمُصْرِخِكُمْ
اسم فاعل من أصرخ يُصرخ؛ والمُصرِخ: المُغيث والدافع للشر عند الصراخ والاستغاثة.
وَقَالَ الشَّيْطَانُ
فعل وفاعل.
لَمَّا
ظرفية حينية بمعنى حين (أو حرف وجوب لوجوب).
قُضِيَ الْأَمْرُ
فعل مبني للمجهول ونائب فاعل، والجملة مضاف إليها "لما".
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها.
وَعَدَكُمْ
فعل ومفعول والفاعل مستتر.
وَعْدَ
مفعول مطلق منصوب بالفتحة (أو مفعول ثانٍ).
الْحَقِّ
مضاف إليه مجرور.
وَوَعَدتُّكُمْ
معطوف.
فَأَخْلَفْتُكُمْ
الفاء عاطفة للتعقيب.
وَمَا كَانَ
نافية وكان واسمها محذوف أو مؤخر.
لِيَ
خبر كان مقدم.
عَلَيْكُم
متعلق بـ"سلطان".
مِّن سُلْطَانٍ
"من" زائدة، "سلطان" اسم كان مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
إِلَّا أَنْ
استثناء منقطع، "أن" وما بعدها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء (أي لكن دعوتكم فاستجبتم).
فَلَا تَلُومُونِي
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، "لا" ناهية جازمة، "تلوموني" مضارع مجزوم بحذف النون والنون للوقاية والياء مفعول به.
معطوف، والياء مضاف إليه وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين في قراءة حمزة (بمصرخِيَ) وبالكسر المشدد في قراءة الجمهور.
إِنِّي كَفَرْتُ
إن واسمها وخبرها.
بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ
متعلق بـ"كفرت".
إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
جملة تعليلية ختامية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المشهد الفضائحي للشيطان:
بعد حوار الضعفاء والمستكبرين، يأتي مشهد الشيطان نفسه وهو يعلن تبرؤه الكامل؛ لتكتمل حسرة الكافرين؛ فالقادة تنصلوا، وإبليس الذي قاد المؤامرة وقف ساخراً متبرئاً، فانسدت كل أبواب الرجاء.
الاعتراف بالحقيقة عند فوات الأوان:
نطق إبليس بالحق المطلق {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} حين لا ينفع الكافرين تصديقه؛ وفي ذلك أقصى درجات الإيلام النفسي والتبكيت والتقريع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع تذرع العصاة بإغواء الشيطان وإجباره إياهم:
حسمت الآية قضية كبرى: الشيطان لا يملك سلطاناً قاهراً على الإنسان، ولا يملك إجبار أحد على المعصية؛ وإنما سلطانه "تزيين ودعوة"، والإنسان هو الذي يملك الإرادة الحرة للاستجابة أو الرفض؛ ولذلك قال له: {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}؛ فكل عاصٍ ومشرك يتحمل مسؤولية جنايته كاملة أمام الله.
المقابلة الصريحة بين الوعدين:
{وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} في مقابلة {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}؛ إبراز للتناقض التام بين صدق الوعد الإلهي المطلق ومكر الوعد الشيطاني الخادع.
التنكير في {سُلْطَانٍ} مع زيادة "مِن":
استغراق نفي أي ذرة من القوة أو الحجة لدى الشيطان؛ لبيان مدى هشاشة كيد الشيطان وضعفه أمام صاحب البصيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستيقاظ قبل فوات الأوان وسماع الخطبة في جهنم:
العاقل يقرأ خطبة إبليس اليوم فيتدارك نفسه ويعصي وسوسته، قبل أن يقف أمامه غداً في النار يسمع تبرؤه وتقريعه وسخريته.
تحمل المسؤولية الشخصية عن الأعمال:
القرآن يربي المسلم على تحمل مسؤولية أفعاله وقراراته، فلا يعلق تقصيره على شماعة الوسوسة أو الظروف، بل يبادر بالتوبة وتزكية النفس.