إنكار الكفار لرسالته والجواب الإلهي الفاصل:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 467)جامع البيانالطبري١٦/٤٦٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: يقول كفار قريش ومشركو العرب للنبي صلى الله عليه وسلم جحوداً وعناداً: لست رسولاً من عند الله؛ فأمره الله تعالى أن يستغني عن شهادتهم بشهادتين عظيمتين لا تقبلان نقضاً: شهادة الله تعالى الصادقة القاطعة بتأييده بالمعجزات والقرآن، وشهادة أهل الكتاب المنصفين الذين يجدون نعته وصفته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل.
تفسير {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}:
اختلف المفسرون في المراد بـ{مَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} على قولين محررين:
القول الأول (علماء أهل الكتاب المنصفون): مثل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي ممن أسلم وعلم صحة نبوته من كتبه السابقة؛ وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدي.
القول الثاني (هو الله تعالى عالم اللوح المحفوظ): المعنى: كفى بالله شهيداً، وهو الذي عنده علم أم الكتاب؛ روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري؛ ورجح ابن كثير القول الأول لأن السورة مكية وابن سلام إنما أسلم بالمدينة لكن الآية تقرر أصلاً عاماً في شهادة كل من عنده علم بالكتب الإلهية المتقدمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُرْسَلًا
اسم مفعول من أرسل؛ أي مبعوثاً برسالة من الله إلينا.
كَفَىٰ
فعل ماض يفيد الاكتفاء والاستغناء؛ أي أجزأ وتم الأمر به.
شَهِيدًا
صيغة مبالغة من الشاهد؛ وهو الذي يشهد بالحق بناءً على علم ورؤية قطعية.
عِلْمُ الْكِتَابِ
المعرفة بالتوراة والإنجيل والكتب السماوية وما حوته من البشارات والشرائع.
وَيَقُولُ
الواو استئنافية، "يقول" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
كَفَرُوا
فعل ماض والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
لَسْتَ
فعل ماض ناسخ جامد مبني على السكون، والتاء اسمه في محل رفع.
مُرْسَلًا
خبر ليس منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة "لست مرسلاً" مقول القول.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت.
كَفَىٰ
فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
بِاللَّهِ
الباء حرف جر زائد للتوكيد، لفظ الجلالة فاعل مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
شَهِيدًا
تمييز منصوب بالفتحة (أو حال).
بَيْنِي
ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة متعلق بـ"شهيداً"، والياء مضاف إليه.
وَبَيْنَكُمْ
الواو عاطفة، "بين" ظرف معطوف والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
وَمَنْ
الواو عاطفة، "مَنْ" اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على لفظ الجلالة المرفوع محلاً (أي: وكفى من عنده علم الكتاب)، أو في محل جر عطفاً على اللفظ.
عِندَهُ
ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
عِلْمُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْكِتَابِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة، وجملة "عنده علم الكتاب" صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وحسن الختام وتطابق المطلع والمقطع:
هذا ختام السورة الباهر، وفيه أعظم التناسب مع مطلعها؛ بدأت السورة بقوله تعالى: {المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]، وختمت بالشهادة القاطعة على صدق هذا الوحي ونبوة مبلغه: {قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}؛ ليلتحم البدء بالختام في دائرة برهانية محكمة تشهد بإعجاز القرآن.
التوازن والاحتجاج بشهادة الخالق والمخلوق العالم:
جمعت الآية بين شهادة الله التامة المتعالية التي ظهرت بإعجاز القرآن والنصر، وشهادة أهل الكتاب المبنية على البحث والنقل التاريخي الصادق؛ لإلزام المشركين وإسقاط حججهم من سائر الجهات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع تذرع الكفار بنفي الرسالة استناداً للشهوة والهوى:
نفي المشركين لرسالته بـ{لَسْتَ مُرْسَلًا} نفي مجرد عارٍ عن أي دليل عقلي، وهو مصادم للأدلة المعجزة؛ فردت الآية بالاحتكام إلى أعلى مرجعيات الصدق: شهادة الله بالمعجزات، وشهادة الراسخين في العلم؛ وبذلك تسقط أي قيمة لإنكار الجاهلين أمام شهادة العليم الخبير وأهل العلم المنصفين.
التوكيد بالباء الزائدة في فاعل كفى:
{بِاللَّهِ}؛ لدلالة على أن كفاية الله وحدها قطعية لا تحتاج إلى مزيد، وأن ما عداها من الشهادات إنما هو استئناس وتثبيت للمؤمنين وإلزام للمعاندين.
الإيجاز في صيغة الإنكار {لَسْتَ مُرْسَلًا}:
نقل مقالة الكفار بأقصر عبارة ناصة على مرادهم دون حشو؛ ليأتي الرد حاسماً رادعاً مستقراً في كفاية شهادة الله.
التشريف العظيم لأهل العلم بقرن شهادتهم بشهادة الله:
عطف {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} على اسم الجلالة في مقام الشهادة من أعظم مناقب أهل العلم الربانيين الذين يعرفون الحق ويشهدون به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استغناء الداعية بتأييد الله عن تصفيق الجماهير:
حين يُكذّب الداعية أو يُجحد فضله وسعيه، فإن عِوضه وسلوته الكبرى هي: {كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}؛ فشهادة الله واطلاعه ورضاه تغني عن العالمين أجمعين.
قيمة العلم والرجوع إلى أهله المنصفين:
تُعلي الآية من شأن العلم الموثق المقارن؛ فالجاهل يطعن بالهوى، بينما يشهد العالم المنصف بالحقائق والبراهين؛ وهو منهج يدعو المسلم للتمسك بالبينة واليقين الراسخ.