استعراض آيات التوحيد والإنعام الكوني:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 578)جامع البيانالطبري١٦/٥٧٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك: يقرر تعالى ألوهيته وبرهان ربوبيته بتعداد نعمه الجليلة على عباده: فهو الذي خلق السماوات في ارتفاعها والأرض في انبساطها، وأنزل من السحاب ماء المطر العذب المبارك، فأخرج به من شتى ألوان الثمار والحبوب رزقاً وقوتاً لكم ولأنعامكم، وسخر لكم السفن والمراكب في البحر تمخر عبابه بقدرته وتيسيره للتجارة والمنافع، وسخر لكم الأنهار العذبة الجارية للشرب والزراعة وسقي البلاد.
تفسير {بِأَمْرِهِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 506)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٠٦: «أي بأمره وقدرته التي جعلت الماء مائعاً يحمل الفلك الخشبية الثقيلة، وسخر الرياح لتجري بها؛ فلولا أمره وتدبيره لغاصت السفن في لجج البحار».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَسَخَّرَ
التسخير: تذليل الشيء وتيسيره وجعله منقاداً طائعاً لغرض معين بلا كلفة من المستفيد.
الْفُلْكَ
السفينة والسفن؛ وتطلق على المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث.
الْأَنْهَارَ
جمع نَهْر ونَهَر؛ مجرى الماء العذب المتسع الجاري على وجه الأرض.
اللَّهُ
لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِي
اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
خَلَقَ
فعل ماض والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول.
السَّمَاوَاتِ
مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَالْأَرْضَ
معطوف منصوب بالفتحة.
وَأَنزَلَ
معطوف على "خلق".
مِنَ السَّمَاءِ
متعلق بـ"أنزل".
مَاءً
مفعول به منصوب.
فَأَخْرَجَ
الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب.
بِهِ
متعلق بـ"أخرج".
مِنَ الثَّمَرَاتِ
متعلق بمحذوف حال (أو مفعول به و"من" زائدة أو بيانية).
رِزْقًا
مفعول به لـ"أخرج" (أو مفعول لأجله أو حال).
لَّكُمْ
متعلق بـ"رزقاً" أو بمحذوف نعت.
وَسَخَّرَ
معطوف.
لَكُمُ
متعلق بـ"سخر".
الْفُلْكَ
مفعول به منصوب.
لِتَجْرِيَ
اللام للتعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة، والفاعل مستتر يعود على الفلك.
فِي الْبَحْرِ
متعلق بـ"تجري".
بِأَمْرِهِ
في محل نصب حال من الفاعل (أي ملتبسة بأمره وقدرته).
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ
معطوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الدليل الحسي على تفرد الله بالعبادة:
بعد أن أمر بالصلاة والإنفاق في الآية 31، أعقب ذلك بهذه الآيات الكونية الكبرى ليرى العباد عظمة المنعم الذي يستحق وحده أن يُصلى له ويُتقرب إليه؛ فالمُنعِم بالخلق والرزق وتسخير البحار والأنهار هو المستحق للعبادة بلا ند.
الترتيب الكوني المحكم:
بدأ بالأصلين الأكبرين: خلق السماوات والأرض، ثم بالوسيط النافع: إنزال الماء، ثم بثمرته المباشرة: خروج الرزق، ثم بوسائل الحركة والتنقل والعمران: الفلك والأنهار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع نسبة النعم إلى الطبيعة الصماء:
القرآن يربط كل حركة في الكون بالإرادة والتدبير الإلهي: {بِأَمْرِهِ}؛ فجريان السفينة ليس مجرد قوانين طفو فيزيائية عمياء، بل القوانين ذاتها مخلوقة مسخرة بأمر الله لحفظ الإنسان وعمارة الأرض؛ ليبقى القلب متصلاً بمسبب الأسباب لا بالأسباب وحدها.
تكرار لفظ {وَسَخَّرَ لَكُمُ}:
تكرار التسخير مقروناً بـ"لكم" في هذه الآية والتالية؛ لتذكير الإنسان بأن هذا الكون المسخر إنما ذُلل لأجله ولراحته، وهو استدعاء لوجدان الشكر والاعتراف بالجميل.
الفاء السببية في {فَأَخْرَجَ بِهِ}:
تفيد ترتب خروج الثمار على نزول الماء سنةً إلهية جارية؛ مع التأكيد بأن المؤثر الحقيقي هو الله بإسناد الفعل إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عمارة الأرض وتسخير مواردها عبادة:
تسخير الفلك والأنهار دعوة صريحة للانتفاع بموارد الطبيعة وركوب البحار وتنمية التجارة واستصلاح الأراضي شكراً لله تعالى.
شهود المنة في لقمة العيش وشربة الماء:
حين يأكل المسلم ثمرة أو يشرب ماء عذباً، يستحضر مسيرة هذا الرزق من خلق السماء والأرض ونزول المطر وتفجر الأنهار؛ فيمتلئ قلبه شكراً وحمداً.