ضرب المثل لبطلان أعمال الكافرين وحبوطها:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 528)جامع البيانالطبري١٦/٥٢٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يحسبونها خيراً وبراً في الدنيا: كصلة الأرحام، وإقراء الضيف، وفكاك العاني، وعمارة المسجد الحرام؛ فإنها لما خلت من أساس الإيمان بالله والإخلاص له واتباع رسله، كانت بمنزلة الرماد الهش الخفيف، أصابته ريح عاتية شديدة الهبوب في يوم عاصف، فنسفته وذرته وطيرته في كل وجه حتى لم يبق منه عين ولا أثر؛ فكذلك أعمالهم يوم القيامة تتلاشى هباءً منثوراً، كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23].
تفسير {لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 495)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩٥: «أي لا يقدر هؤلاء الكفار يوم القيامة على الانتفاع بأي شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا؛ لأنها لم تكن لله ولا على شرعه، {ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}: أي سعيهم الباطل وعملهم الضائع هو الخسران المبين والضلال الشاسع عن الصراط المستقيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كَرَمَادٍ
الرماد: ما يتبقى من احتراق الحطب والنار من مسحوق هامد خفيف جداً.
عَاصِفٍ
شديد هبوب الريح سريع الحركة؛ يقال: عصفت الريح تعصف عصفاً.
الضَّلَالُ الْبَعِيدُ
الغواية الموغلة في البعد عن جادة الصواب والحق.
مَّثَلُ
مبتدأ أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِينَ
اسم موصول مضاف إليه.
كَفَرُوا
صلة الموصول.
بِرَبِّهِمْ
متعلق بـ"كفروا".
أَعْمَالُهُمْ
مبتدأ ثانٍ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
كَرَمَادٍ
الكاف اسم بمعنى مثل خبر المبتدأ الثاني (أو حرف جر والجار والمجرور خبر)، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول "مثل".
اشْتَدَّتْ
فعل ماض والتاء للتأنيث.
بِهِ
متعلق بـ"اشتدت".
الرِّيحُ
فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر نعت لـ"رماد".
فِي يَوْمٍ
متعلق بـ"اشتدت".
عَاصِفٍ
نعت لـ"يوم" مجرور بالكسرة (وهو من الإسناد المجازي، فالعاصف حقيقة هو الريح فوصف به اليوم لوقوعه فيه).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان بطلان السند المادي والعملي للكافرين:
بعد أن صور مصير أبدانهم في النار وشرابهم من الصديد في الآيات 16 و17، جاءت هذه الآية لتسقط أوهامهم في النجاة بأعمالهم الدنيوية التي كانوا يفتخرون بها؛ فإذا بأعمالهم رماد تذروه الرياح، وبأبدانهم في لهيب الجحيم.
التناسب بين خفة الرماد وعصف الريح:
جمع بين أضعف المواد تماسكاً (الرماد) وأقوى الظروف تفريقاً (الريح في يوم عاصف)؛ لبيان استحالة استرجاع أي جزء من تلك الأعمال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استنكار حبوط أعمال الخير الصادرة من غير المؤمن:
قد يتساءل معترض: أليس في إبطال عمل المحسن غير المسلم إجحاف؟
والجواب العقلي المحكم: أن العمل إنما يُكافأ عليه في الدار التي قصدها العامل؛ فالكافر لم يبتغ بعمله وجه الله ولا ثواب الآخرة بل قصد السمعة والثناء الدنيوي أو نفع قومه، وقد أوفاه الله حقه في الدنيا بصحة ومال وشهرة؛ فإذا قدم على الآخرة وجد ميزانه فارغاً لعدم استيفاء شرط القبول وهو التوحيد والإخلاص لخالق الوجود.
التشبيه التمثيلي البديع:
تشبيه مركب؛ شبه حال أعمال الكفار في حبوطها وتلاشيها مع حاجتهم الماسة إليها بحال رماد هش تطاير في يوم عاصف فاستحال جمعه.
المجاز العقلي في {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}:
أُسند العصف إلى اليوم مع أن العاصف هو الريح؛ للمبالغة في شمول الهبوب للزمان كله حتى كأن اليوم بأسره يعصف عصفاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الإيمان كشرط لصحة الأعمال:
الإيمان هو المعامل الرياضي الذي يُعطي الأرقام قيمتها؛ فإذا وضع الصفر (الكفر) قبل الملايين صارت صفراً لا قيمة لها؛ فعلى المسلم أن يحرص على تصحيح عقيدته وإخلاصه لتسلم له حسناته.
الإشفاق على الذين يضل سعيهم في الحياة الدنيا:
المؤمن يمتلئ قلبه شفقة ورحمة على هؤلاء الذين يبذلون أموالاً وجهوداً ضخمة في الباطل ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ثم يجدونها يوم القيامة رماداً في يوم عاصف.