فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
خاتمة السورة وحجتها الجامعة: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخمسين من سورة المرسلات، أن المعنى: فبأي كلام بعد القرآن يصدقون إن لم يصدقوا به؟ وأن الضمير في {بَعْدَهُ} عائد على القرآن. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الاستفهام للتوبيخ والتيئيس؛ إذ لا كتاب بعد القرآن ولا حجة بعد حجته. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ختم السورة بهذا السؤال بعد استيفاء البراهين والمشاهد إعلان بأن الحجة قد بلغت منتهاها؛ فمن لم يقنعه هذا فلا مقنع له. وقد جاءت سورة النبأ بعدها كاشفة عن ذلك "الحديث" الذي أعرضوا عنه في قوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة تجمع السورة كلها وتربطها بأولها. فقد أقسم في مطلعها بـ{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا}؛ فذُكر الوحي على أنه إعذار وإنذار؛ وخُتمت هنا بأن من لم يؤمن بهذا الوحي فلا شيء بعده يؤمن به. فالحجة التي بدأت بها السورة هي التي خُتمت بها. ثم إن هذه الخاتمة هي حلقة الوصل مع سورة النبأ التي تليها؛ إذ افتُتحت بالسؤال عن ذلك الخبر العظيم الذي وقع فيه التساؤل والاختلاف. فآخر المرسلات سؤال عن الحديث الذي يؤمنون به، وأول النبأ بيان للنبأ الذي تساءلوا عنه؛ فالسورتان متلاحمتان سؤالاً وجواباً.