إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
الطور الثالث، وهو بيان المدة: {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة المرسلات، أن المعنى: إلى وقت معلوم عند الله، وهو مدة الحمل حتى الولادة؛ نقل ذلك عن أهل التأويل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد المدة المعلومة من ستة أشهر إلى تسعة أشهر ونحو ذلك. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {قَدَرٍ} بمعنى مقدار من الزمان مقدَّر لا يتجاوزه الجنين إلا بإذن الله. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن وصف القدر بالمعلوم مع كون العلم به لله وحده فيه إشعار بأن الأمر مضبوط في علم الله وإن جهله الخلق؛ فالجهل بالمقدار لا ينفي كونه مقدراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية اكتمل عرض النشأة في عناصرها الثلاثة: مادة ومكان وزمان. وموقعها في النظم موقع الحلقة التي تربط برهان الخلق بموضوع السورة الأكبر؛ فإن السورة كلها قائمة على فكرة الأجل المضروب: فقد قيل في أول السورة {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ}، ثم {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}، وهنا {إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ}. فالتوقيت في خلق الجنين نظير التوقيت في قيام الساعة؛ ومن آمن بأن للحمل أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر بغير إذن الله، لزمه أن يؤمن بأن للدنيا أجلاً كذلك.