عُذْرًا أَوْ نُذْرًا
عُذْرًا أَوْ نُذْرًا
بيان الغاية من إلقاء الذكر: {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة المرسلات، أن المعنى: تلقي الملائكة الذكر إلى الرسل إعذاراً من الله إلى خلقه وإنذاراً لهم؛ فالعذر ما تُقطع به الحجة ويُزال به العتب، والنذر التخويف من العقوبة. وروى عن قتادة قوله: عذراً لله ونذراً لخلقه. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى أن الوحي يُلقى إعذاراً إلى الخلق وإنذاراً لهم من عذاب الله إن خالفوا أمره. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {عُذْرًا} مصدر بمعنى الإعذار، و{نُذْرًا} مصدر بمعنى الإنذار؛ وقيل: هما جمع عذير ونذير. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن "أو" هنا للتقسيم باعتبار حال المخاطبين لا للشك ولا للتخيير؛ فالوحي في حق من قبله عذر يقطع عنه اللوم، وفي حق من رده نذر يقيم عليه الحجة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتميماً للآية قبلها؛ فبعد أن ذُكر الإلقاء ذُكرت غايته، حتى لا يبقى في النفس سؤال عن حكمة إنزال الوحي. وموقعها في النظم موقع الحلقة الأخيرة قبل جواب القسم؛ فكأن السياق يقول: أقسم بهذه القوى التي غايتها إقامة الحجة، على أن ما توعدون لواقع. وهذا ربط محكم؛ إذ لا معنى لإقامة الحجة إن لم يكن ثمة يوم يُحاسب فيه على قبولها أو ردها؛ فالإعذار والإنذار في الدنيا مستلزمان للجزاء في الآخرة استلزاماً عقلياً. ثم إن ذكر النذارة هنا تمهيد لأول ويل في السورة، إذ الويل جزاء من بلغه النذير فأعرض.