وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا
تفتتح السورة بقسم إلهي على موصوف مبهم موصوف بخمسة أوصاف متلاحقة، أولها {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المرسلات، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ{الْمُرْسَلَاتِ} على قولين مشهورين: فقال ابن مسعود ومجاهد وقتادة: هي الرياح أرسلها الله متتابعة؛ وقال أبو صالح ومسروق: هي الملائكة أرسلها الله بأمره ووحيه. وروي عن أبي هريرة أنها الملائكة، وعن ابن عباس روايتان. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع السورة، على أن الأظهر أن {الْمُرْسَلَاتِ} و{الْعَاصِفَاتِ} و{النَّاشِرَاتِ} أوصاف للرياح؛ لأن العصف والنشر من شأنها، وأن {الْفَارِقَاتِ} و{الْمُلْقِيَاتِ} أوصاف للملائكة؛ لأن التفريق بين الحق والباطل وإلقاء الذكر من شأنها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، قولاً ثالثاً: أنها الرسل عليهم السلام أُرسلوا بالمعروف من الشرائع. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى، أن الإبهام في المقسم به مقصود لتعظيمه وفتح باب الاعتبار؛ فيصح حمل اللفظ على كل ما يصدق عليه الوصف من غير تضييق. وأما {عُرْفًا} فذكر الطبري فيه قولين: أنه من العُرف بمعنى التتابع، كعُرْف الفرس تتابع شعره على عنقه؛ وأنه من المعروف، أي أُرسلت بالمعروف والإحسان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ابتُدئت السورة بالقسم لأن المقام مقام إنكار وتكذيب، والقسم من أوكد وسائل تقرير الخبر عند المنكر. وقد جُعل المقسم به من جنس ما ينفع الناس ويشهدون أثره — رياحاً تسوق السحاب أو ملائكة تنزل بالوحي — ليكون المقسم به نفسه دليلاً على المقسم عليه، لا مجرد أداة توكيد. ثم إن هذه الآية أول حلقة في سلسلة خماسية تنتهي بجواب القسم في الآية السابعة {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}؛ فبسط المقسم به وإيجاز الجواب من أبلغ ما يكون في تشويق السامع وتهيئته. وتتصل الآية بخاتمة سورة الإنسان اتصال التفصيل بالإجمال؛ فقد ذُكر هناك {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، فجاءت المرسلات لتفصيل ذلك العذاب بعد تقريره بالقسم.