فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا
فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا
ثاني أوصاف المقسم به: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة المرسلات، أن أهل التأويل أجمعوا في الأكثر على أن {الْعَاصِفَاتِ} هي الرياح الشديدة الهبوب؛ نقل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد. وذكر أن العصف شدة الهبوب حتى يُسمع لها صوت وتقتلع ما مرت به. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنها الرياح إذا اشتد هبوبها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن من قال إن المرسلات ملائكة قال هنا: العاصفات هي الملائكة تعصف بأرواح الكفار وتسرع في مضيها بأمر ربها؛ فيكون العصف كناية عن سرعة النفوذ في الأمر. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الفاء في {فَالْعَاصِفَاتِ} تفيد ترتيب الأوصاف بحسب توالي أطوارها؛ فالإرسال أولاً ثم اشتداد الحركة ثانياً؛ وهو ترتيب في الوجود لا في مجرد الذكر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معطوفة بالفاء لا بالواو، وهي أول فاء في سلسلة القسم؛ ودلالتها أن الأوصاف الخمسة ليست مجرد صفات متراصة، بل مراحل متعاقبة تصور حركة واحدة في أطوارها: إرسال، فاشتداد، فنشر، ففرق، فإلقاء. وهذا التصاعد في المقسم به يوازي تصاعد الحدث المقسم عليه؛ فكما تبدأ الريح هيّنة ثم تعصف، كذلك يبدأ أمر الساعة بعيداً في تقدير المكذبين ثم يقع فجأة. ثم إن ذكر العصف تمهيد نظمي لما سيأتي في السورة من نسف الجبال؛ فالقوة التي تعصف بالورق هي أثر من آثار قدرة تنسف الرواسي.