عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
تفتتح السورة بسؤال إلهي مباغت يهز السامع ويستدعي انتباهه: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة النبأ، أن المعنى: عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون بينهم؟ وروى عن قتادة ومجاهد أن قريشاً لما بُعث فيهم رسول الله ﷺ وجاءهم بالقرآن وأخبرهم بالبعث بعد الموت جعلوا يتساءلون بينهم مستنكرين متعجبين، فأنزل الله هذه الآية إنكاراً عليهم وتفخيماً لشأن الخبر الذي كذبوا به. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة النبأ، على أن هذا استفهام إنكاري على المشركين فيما كانوا يتساءلون عنه من أمر القيامة. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الأولى من السورة، أن "التساؤل" تفاعل من السؤال، وهو أن يسأل بعضهم بعضاً؛ وقيل: يسألون النبي ﷺ والمؤمنين على وجه التهكم والاستهزاء لا على وجه الاسترشاد. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة النبأ، أن الافتتاح بالاستفهام عن شيء مبهم ثم بيانه بعده أسلوب من أساليب التشويق وتهيئة النفس لتلقي الخبر الجليل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الافتتاح الاستفهامي يتصل بخاتمة سورة المرسلات اتصال الجواب بالسؤال؛ فقد ختمت تلك السورة بقوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}، فجاءت النبأ لتكشف عن ذلك "الحديث" الذي أعرضوا عنه وتساءلوا حوله. والآية مقدمة مهّدت لثلاث آيات بعدها تُبيّن المسؤول عنه ({عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}) وحال السائلين ({الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ})، ثم الردع الحاسم ({كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}). فالنظم يسير من الإبهام إلى البيان، ومن التشويق إلى التهديد.